مرّ قبل عدة أيام الذكرى العاشرة لرحيل الشخصية الموسوعية، المهندس والناقد التشكيلي وصانع الأفلام الوثائقية ومتذوق الموسيقا الكوردية الأستاذ صلاح الدين خليل محمد. الذي كنت أحياناً أسافر إلى دمشق لنجتمع سوياً، وكان يحيطني بجو من الرهبة والسرية والحذر الشديدين، لدرجة أنه كان يسألني هل تابعك أحد؟ وفي السنوات الأخيرة، كان يسأل هل موبايلك مقفل؟! على أية حال يصعب الكتابة عن أصدقاء أعزاء رحلوا، لكن استذكارهم في سياق إحياء بعض المواقف وبسط بعض المواضيع تظل محفزة.
من الصعب أيضاً كتابة عدة أسطر تعريفية بشخصية ثقافية استثنائية عرفته عن قرب وصادقته لمدة زمنية تقارب ربع قرن، ومع ذلك سأحاول أن أسرد بعض الجمل التي هي بمثابة عناوين.
ولد صلاح الدين محمد عام 1949 في منطقة جبل الكورد (بريف عفرين)، وهو ابن الأستاذ خليل محمد، الذي كان أول من حصل على البكالوريا في جبل الكورد بحسب رواية المرحوم صلاح الدين نفسه. أي أنه نشأ في بيئة كوردية أصيلة ومثقفة. سافر في نهاية ستينات القرن الماضي إلى تركيا ليدرس الجامعة فيها، لكنه عاد بعد فترة، دخل قسم العمارة بكلية الهندسة جامعة حلب، وحيث أنه اصطدم مع أستاذنا المشترك الصعب المراس الدكتور علاء الدين لولح، تأخر تخرجه إلى عام 1976 على الرغم من تفوقه، شطارته اليدوية، ورؤيته البصرية الفنية الاستثنائية.
برزت موهبته في مجال النقد الفني أكثر من التصميم المعماري، فكتب لسنوات طويلة في حقل النقد التشكيلي، وساهم في مؤتمرات وبيناليات دولية عديدة، كما ساند وسهل صعود عدد من أهم فناني سورية، إذ يعد بحق واحد من مؤسسي النقد الفني الممنهج في البلاد العربية.
لدرجة أن أفشى لي يوما بسر حول المرحوم عمر حمدي.. قال لي هل تعرفه؟ قلت لا، فأسهب: كان فنانا متواضعا لكنه قوي الريشة، كان فقيرا يعمل عاملا في فندق الرضوان بدمشق، ساعدته عمليا، ساندته فنيا وإعلاميا فصعد.. وهمس، هل تعلم أنا من أطلقت عليه لقب (الفنان العالمي) عبر الدراسات النقدية، ومشي الموضوع بسهولة! لهما الرحمة، وقد صدقته تماما، لأنه كان صادقا ومخلصا لأصدقائه، فقد عمل ما هو أكثر وأهم.
انتقل إلى دمشق مبكرا وأحبها بجنون، دخل حقل التلفزيون والاعلام، انجز حوالي مائة فيلم وثائقي، حصلت أغلبها على الجوائز التقديرية.
مقالات ذات صلة
اراء13/05/2026
ارحموا الثقافة
اراء13/05/2026
ورقة بحثية في السلاح والأمن والسيادة
وبمناسبة الأفلام الوثائقية التي عرضت على تلفزيون دمشق ونالت اهتماماً وتأثير كبيرين، أخبرني أن عبد الحليم خدام اتصل به يوماً، وقال: "يا صلاح أفلامك جيدة بس.. حبذا بلا هذه الموسيقا الكوردية".
في رواية تفصح عن رعب أركان نظام البعث البائد من الفن والثقافة الكوردية، إذ كان يدمج أفلامه الوثائقية مع الموسيقا الكوردية المناسبة.
اهتم بالفن القديم والاستشراقي، باللوحات والصور، وخاصة بالغرافيك، تناولها بحرفية وأدوات أكاديمية رصينة. أحب التصوير الضوئي وعمل العديد من الأعمال لوزرات السياحة والآثار وأخيراً للمتحف البريطاني. ألف كتب مصورة (بلغة بصرية متقدمة)، مثل كتاب عن دمشق الجديدة، أي مشروع دمر عهدئذ. طلب مني في سنة 2015، وأنا في أربيل تأمين عمل له. فحصلت له على فيزا إلى إقليم كوردستان العراق، وكنت أخطط ليعمل في شبكة رووداو الإعلامية، لينتج أفلام وثائقية بحرية تامة.
بعدها غير رأيه قائلاً، لا أستطيع مغادرة دمشق، إنني تعودت على دمشق وبيئتها. ثم اتصل بي بعد ذلك بفترة قصيرة طالبا تأمين فيزة علاج له إلى ألمانيا، وبناء على طلبه استعنت بصديقنا المشترك الأستاذ عدنان المفتي (رئيس برلمان إقليم كوردستان الأسبق). اتصلنا معه هاتفياً بشكل مطول، لم نتمكن من تأمين علاج سريع له خارج دمشق، لكن تراكم الهموم ودخان السجائر كان قد أحرق رئته تماماً.
بعد أسابيع دخل مستشفى المواساة الخيري، كان يواصل الاتصال بي نتحدث ونخطط وكأننا سنعيش لسنوات طويلة. ثم طلبت من ابني أحمد الذي كان يدرس الطب في جامعة دمشق زيارته في العناية المشددة ومحاولة الاهتمام به. لكنه رحل سريعاً، وقبل رحليه طلب من أحمد أن يتحدث إليه باللغة الكُردية، يبدو أن سماع موسيقا الكلمات الكُردية كانت أمنيته الأخيرة، حيث حُرم منها داخل بيئة العمل.
تركنا نعاني من فقدان الأحبة المبكر... لقد مات العزيز صلاح سريعا في دمشق التي خدمها بهدوء، كتب عنها وأحبها بصدق، فردت دمشق الجميل على طريقتها: قتلته في سبيل استمرار مجدها.
