لم تكن محكمة الرصافة في ذلك الصباح تستضيف متهماً عادياً، بل كانت تفتح أبوابها لذاكرة جماعية تنزف منذ عقود، وداخل قاعة ضيقة في بغداد وقف رجل يرتدي الزي الأصفر، لكن خلف ذلك الجسد المنهك كانت تختبئ صحراء كاملة من الرعب. صحراء ابتلعت آلاف الكورد في الأنفال وامتلأت بعظام الأطفال والنساء والشيوخ الذين ماتوا جوعاً وعطشاً وذلاً، فقط لأنهم كانوا كورداً.
لم يكن الواقفون أمامه شهوداً فقط، بل كانوا بقايا وطن مازال يحمل آثار السياط على جلده حتى اليوم. ذلك المشهد لم يكن مجرد محاكمة لرجل اسمه عجاج، بل كان محاكمة لمرحلة سوداء تحولت فيها الدولة العراقية إلى آلة موت جماعي، مرحلة كان فيها السجن أقرب إلى مقبرة مفتوحة، وكان الماء وسيلة تعذيب وكانت حياة الكوردي أرخص من حفنة تراب في صحارى السماوة.
لم تكن الأنفال جريمة عابرة، بل واحدة من أكبر حملات الإبادة الجماعية في تاريخ المنطقة. فبحسب التقديرات المعترف بها، قتل وفقد نحو 182 ألف كوردي خلال حملات الأنفال، فيما استشهد أكثر من 5 آلاف مدني في قصف حلبجة الكيميائي عام 1988، ودمرت أكثر من 4 آلاف قرية كوردية، إلى جانب تهجير مئات الالاف ودفن الالاف في المقابر الجماعية الممتدة في صحارى جنوب ووسط العرا،ق كما لاتزال جريمة اختفاء نحو 8 آلاف بارزاني عام 1983 واحدة من أكثر الملفات إيلاماً، بعدما اختفى الرجال والمراهقون لسنوات قبل العثور على رفات أعداد منهم في مقابر جماعية.
لكن الحقيقة الأكثر قسوة لا تتعلق بعجاج وحده، بل بما حدث بعد سقوط النظام، فبعد كل هذه السنوات مازال السؤال قائماً ماذا فعلت الحكومات العراقية المتعاقبة لضحايا الأنفال؟ ماذا قدمت الدولة لعشرات آلاف العائلات التي أُبيدت أو تشتت شملها أو عاشت عمرها كله تحت ثقل الفقدان؟ الحقيقة المؤلمة أن جميع الحكومات، بلا استثناء، فشلت في تحويل ملف الأنفال من ملف خطابات إلى ملف عدالة حقيقية.
لقد تغيرت الأنظمة، وتبدلت الوجوه، وتوزعت المناصب، لكن عوائل الشهداء بقيت تركض بين الدوائر الحكومية بحثاً عن حقوق يفترض أن تكون مقدسة، في كل دول العالم، تتحول دماء الضحايا إلى مسؤولية وطنية كبرى، أما في العراق فمازالت أم الشهيد تقف في طوابير طويلة من أجل راتب بسيط، ومازال الناجون من الأنفال يعيشون بأجساد متعبة وأرواح محطمة دون رعاية حقيقية.
أي دولة هذه التي لا تعوض ضحاياها؟ وأي وطن هذا الذي مازالت فيه المقابر الجماعية أكثر عدداً من مشاريع إنصاف ذوي الضحايا؟ لدينا مئات آلاف الشهداء والمؤنفلين والمفقودين، ومع ذلك لم نشهد حتى الآن مشروعاً وطنياً يليق بحجم الكارثة. لا توجد مدن سكنية كبرى تحمل أسماء الضحايا، ولا مؤسسات متخصصة تعالج الناجين نفسياً، ولا تعويضات بحجم الألم الذي عاشوه، وكأن الدولة تريد من الضحية أن ينسى جراحه وحده.
وعلى الحكومة العراقية الجديدة أن تدرك أن ملف الأنفال والمقابر الجماعية لا يمكن أن يبقى مجرد ذكرى تستحضر في المناسبات بل مسؤولية أخلاقية ووطنية عاجلة إن تعويض ذوي الشهداء والمؤنفلين وإنصاف الناجين مادياً ومعنوياً سيكون خطوة حقيقية لإثبات حسن النية تجاه الكورد، ورسالة مهمة بأن بغداد تريد فتح صفحة مختلفة مع أربيل قائمة على العدالة والشراكة لا على الوعود المؤجلة.
مقالات ذات صلة
اراء13/05/2026
ارحموا الثقافة
اراء13/05/2026
ورقة بحثية في السلاح والأمن والسيادة
فالعلاقات القوية بين بغداد وأربيل لا تبنى بالشعارات السياسية فقط، بل بالاعتراف الحقيقي بألام الضحايا وإعادة شيء من الكرامة لعائلات دفعت أثماناً هائلة من أجل بقائها وهويتها.
الأنفال لم تكن مجرد حملة عسكرية، بل كانت محاولة اقتلاع شعب من جذوره. قرى كاملة اختفت من الخريطة، وأمهات دفن أبناءهن بأيديهن، وأطفال ماتوا وهم يبحثون عن قطرة ماء. تلك الجرائم ليست حادثة عابرة في التاريخ العراقي، بل وصمة لن تزول ما لم تتحول العدالة إلى فعل حقيقي، لا مجرد جلسات محاكمات تتكرر بعد عقود طويلة.
المؤلم أكثر أن بعض السياسيين يتعاملون مع ملف الأنفال كمناسبة موسمية للخطابات والصور. في كل ذكرى ترفع الشعارات، وتقال كلمات التعاطف، ثم يعود كل شيء إلى الصمت. لكن الناجين لا يعيشون الذكرى مرة واحدة في السنة هم يعيشونها كل يوم، عندما يتذكرون صرخات الأطفال وصور المقابر الجماعية، وعندما يدركون أن بعض الجلادين عاشوا سنوات طويلة دون حساب حقيقي.
ما جرى في محكمة الرصافة أعاد شيئاً مهماً إلى الواجهة أن ذاكرة الضحايا أقوى من محاولات النسيان. فالناجون الذين وقفوا أمام القاضي لم يكونوا يبحثون فقط عن حكم قضائي، بل كانوا يريدون أن يقولوا للعراق كله إن الدم الكوردي ليس رخيصاً، وإن الجرائم الكبرى لا تموت بالتقادم، لكن العدالة لا تكتمل بسجن رجل عجوز داخل قفص. العدالة الحقيقية تبدأ عندما تعترف الدولة بأن ما جرى للكورد كان جريمة بحق الإنسانية، وتتصرف على هذا الأساس. تبدأ حين يتحول ملف الأنفال إلى أولوية وطنية، لا ملف هامشي مؤجل دائماً بسبب الصراعات السياسية والخلافات على السلطة.
العراق أنفق مئات المليارات خلال السنوات الماضية، لكن جزءاً كبيراً من ضحايا الأنفال مازالوا يشعرون بأنهم متروكون. بعضهم يعيش الفقر، وبعضهم مازال يبحث عن رفات أقاربه، وبعضهم يحمل أمراضاً نفسية وجسدية منذ عقود فكيف يمكن لدولة أن تتحدث عن المصالحة الوطنية بينما لم تنصف حتى الآن أكثر ضحاياها ألماً؟.
المشهد داخل المحكمة كان قاسياً. جلاد منكسر، وناجون يحملون ذاكرة لا تشيخ، لكن المشهد الأقسى كان خارج القاعة دولة كاملة مازالت عاجزة عن تضميد جرح بهذا الحجم. لأن القضية لم تعد قضية رجل داخل قفص، بل قضية وطن لم يحسم بعد موقفه الحقيقي من واحدة من أبشع الجرائم في تاريخه الحديث.
والحقيقة التي لا يمكن الهروب منها هي أن الشعوب لا تنسى جلاديها، لكنها أيضاً لا تغفر للدول التي تتأخر في إنصاف ضحاياها فمحاكمة عجاج مهما كانت قاسية، لن تعيد طفلا مات عطشاً، ولن تمحو صرخات الأمهات في صحارى السماوة ولن تعيد الاف المفقودين الذين ما زالت عظامهم تنتظر اسماً وقبراً العدالة الحقيقية تبدأ عندما يشعر الكوردي أن دمه لم يعد رخيصاً في وطنه، وأن بغداد لا تتذكر الأنفال في الخطب فقط، بل في القرارات والتعويضات والاعتراف الصادق بحجم الجريمة لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي بلد ليس ظهور جلاد جديد فقط، بل أن يموت الضحايا وهم يشعرون أن وطنهم لم ينصفهم حتى النهاية.
