تثير عملية الاندماج الجارية بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية أسئلةً عميقةً حول طبيعة الدولة السورية المنشودة، ومعنى الاندماج السياسي، وحدود العلاقة بين الهوية القومية والانتماء الوطني. فبينما يُقدَّم هذا المسار بوصفه خطوةً نحو توحيد البنية الإدارية والعسكرية وإنهاء الانقسامات التي أفرزتها سنوات الحرب، تنظر إليه شرائح كوردية واسعة بريبةٍ متزايدة، خشيةَ أن يتحول الاندماج إلى صيغةٍ جديدة من الانصهار القومي الذي يُفرغ الخصوصية الكوردية من مضمونها السياسي والقومي/الإثني، ولاسيما في ظلّ الخطابات المتبادلة التي تميل، تارةً، إلى إنكار الخصوصية الجغرافية والتاريخية للشعب الكوردي في سوريا، وتؤكد، تارةً أخرى، أحادية الهوية اللغوية والقومية للدولة، بما يعيد إنتاج نموذج الدولة المركزية المهيمنة بأدوات مختلفة.
إنّ التمييز بين التعايش والانصهار يُعدّ أساسياً لفهم طبيعة الأزمة السورية ومستقبلها. فالانصهار القومي يعني عملياً ذوبان الهويات القومية والثقافية داخل هوية واحدة تفرضها الجماعة المهيمنة عبر السلطة السياسية ومؤسسات الدولة المختلفة، في حين يقوم التعايش الحقيقي على الاعتراف بالتعددية بوصفها حقيقة تاريخية واجتماعية لا يمكن تجاوزها بالقوة أو بالإدارة البيروقراطية. ومن هنا، فإنّ أي مشروع سياسي لا يعترف بالكورد والعرب والسريان والآشوريين وغيرهم بوصفهم جماعات متساوية في الكرامة والحقوق، سيبقى مشروعاً هشّاً مهما امتلك من أدوات القوة.
لقد شهدت المنطقة خلال القرن العشرين نماذج متعددة من بناء الدولة القومية المركزية، سواء في تركيا أو العراق أو سوريا، حيث سعت الأنظمة الحاكمة إلى إنتاج "أمة متجانسة" عبر سياسات التعريب أو التتريك أو الصهر الثقافي. غير أنّ هذه السياسات لم تُنتج استقراراً دائماً، بل عمّقت الشعور بالاغتراب لدى الجماعات القومية غير المهيمنة. وفي الحالة التركية، طرحت الحركة المرتبطة بأفكار عبد الله أوجلان نفسها، خلال عقود، بوصفها ردّ فعل على سياسات الإنكار القومي التي تعرض لها الشعب الكوردي في تركيا. غير أنّ هذه الحركة واجهت، مع مرور الوقت ــ ولاسيما بعد اعتقال أوجلان ــ انتقادات متزايدة داخل الأوساط الكوردية، عقب تبنيها مفاهيم من قبيل "الأمة الديمقراطية" و"الاندماج الديمقراطي". ويرى منتقدو هذا التوجه أنّه قد يقود، في التطبيق العملي، إلى تراجع مركزية الهوية القومية الكوردية وإضعاف مطلب الاعتراف القومي الواضح، وما يرتبط به من حقوق سياسية ودستورية وثقافية.
وفي السياق السوري، تبدو الإشكالية أكثر تعقيداً. فالكورد في سوريا لا يطالبون بإلغاء الدولة السورية أو تفكيكها، بل يسعون إلى إعادة تعريفها على أساس المواطنة المتساوية والاعتراف الدستوري بالتعددية القومية والثقافية. ولذلك فإنّ أي اتفاق سياسي بين السلطة المركزية وقوات سوريا الديمقراطية ينبغي ألا يتحول إلى مجرد إعادة دمج عسكري وإداري تُفرغ القضية الكوردية من مضمونها السياسي والثقافي، بل يجب أن يؤسس لعقد اجتماعي جديد يقوم على الشراكة الحرة.
إنّ مفهوم "الاتحاد الاختياري" يقدّم بديلاً أكثر عدالة من مشاريع الصهر القومي. فهذا المفهوم لا ينفي وجود وطن مشترك، بل يعيد تعريف الوطن باعتباره فضاءً سياسياً جامعاً لمجموعات متعدّدة، تتحد بإرادتها الحرة حول مبادئ دستورية مشتركة، مع احتفاظ كل جماعة بحقها في لغتها وثقافتها وذاكرتها التاريخية. فالوطن ليس سجناً للهويات، ولا آلة لإنتاج التشابه القسري، بل إطار قانوني وأخلاقي يضمن التنوّع ويحميه.
ومن الناحية النظرية، يمكن الاستناد إلى نماذج متعددة في الفكر السياسي الحديث، مثل الفيدرالية التعددية أو الديمقراطية التوافقية، التي حاولت التوفيق بين وحدة الدولة وحقوق الجماعات. ففي دول مثل سويسرا وبلجيكا وكندا، لم يؤدِّ الاعتراف بالتعددية اللغوية والقومية إلى انهيار الدولة، بل ساهم في تعزيز الاستقرار من خلال تقاسم السلطة والاعتراف المتبادل. وهنا تتجلى أهمية الانتقال من مفهوم "الأغلبية الحاكمة" إلى مفهوم "الشراكة الدستورية" بين المكونات.
كما أنّ الدفاع عن الهوية القومية لا ينبغي أن يتحول إلى انعزال أو تعصب إثني. فالحفاظ على الهوية الكوردية، أو العربية، أو السريانية، لا يتناقض مع بناء مجتمع مشترك قائم على التضامن والمساواة. بل إنّ الهوية تصبح أكثر انفتاحاً وإنسانية حين تشعر بالأمان والاعتراف، لا حين تُجبر على الاختفاء داخل هوية مركزية مفروضة.
وعليه، فإنّ مستقبل سوريا المستقرة لا يمكن أن يقوم على إعادة إنتاج الدولة القومية الأحادية التي فشلت تاريخياً، ولا على مشاريع الهيمنة المتبادلة بين الجماعات، بل على تأسيس دولة مدنية ديمقراطية تعترف بالتعددية القومية والثقافية والدينية، وتضمن الحقوق الفردية والجماعية معاً. فالتعايش الحقيقي لا يعني أن يذوب الجميع في قالب واحد، وإنما أن يتحدوا طوعاً ضمن وطن يحمي اختلافهم، ويجعل من التنوع مصدر قوة لا سبباً للصراع.
إنّ التحدي الأكبر أمام السوريين اليوم ليس فقط إنهاء الحرب وتداعياتها، بل الاتفاق على معنى العيش المشترك ذاته: هل هو خضوع جماعة لأخرى تحت اسم الوحدة الوطنية، أم شراكة حرة بين جماعات متساوية في الحقوق والكرامة؟ إنّ الجواب عن هذا السؤال سيحدد شكل سوريا القادمة، وما إذا كانت ستكون وطناً لجميع أبنائها، أم مجرد سلطة جديدة تعيد إنتاج المأساة القديمة بأسماء مختلفة.
