رووداو ديجيتال
من المهم مشاهدة فيلم 2073 للمخرج البريطاني، الهندي الأصل، آصف كاباديا، لفهم ما حدث وما يحدث اليوم وما سيحدث في المستقبل للبشرية ولكوكب الأرض من خراب وحروب ودمار ومجاعة وفقر والاعتداء على البيئة، في ظل ما يسمى بالتطور العلمي وسيطرة أصحاب المليارات وملوك السوشيال ميديا الذين حولوا منصاتهم إلى مواقع لقمع الإنسان وتنمية الروح العدائية، وسيطرة الرؤساء وقادة الأحزاب على العالم.
فيلم "2073" هو فيلم وثائقي درامي بريطاني نفذ بأسلوب الخيال العلمي، صدر عام 2024، من إخراج آصف كاباديا. تدور أحداث الفيلم في مستقبل بائس، وهو مستوحى من الفيلم القصير "لا جيتيه" للمخرج كريس ماركر عام 1962. يتناول الفيلم قضايا هامة كالتغير المناخي، والفاشية المؤسسية، والتآكل العالمي للديمقراطية نتيجة صعود الفاشية، ويصوّر بشكل خيالي مستقبلاً تُترك فيه هذه القوى دون رادع. عُرض الفيلم الوثائقي الدرامي لأول مرة خارج المسابقة في مهرجان البندقية السينمائي الدولي الحادي والثمانين في 3 سبتمبر 2024.
في عام 2073 المدمر، تتأمل ناجية وحيدة صامتة، تلعب دورها سامانثا مورتون، التي تعيش حياةً منعزلةً في أحد طوابق مركز تجاري ضخم ومهمل في مدينة مفترضة، نيو سان فرانسيسكو، العاصمة الجديدة للأميركيتين، مدينة كئيبة تسيطر عليها عناصر الشرطة التي تتصرف بقسوة مع الناس الخاضعين لرقابة اليكترونية وكاميرات حساسة، مشددة، وهناك غيرها من المشردين الذين يتوزعون في أرجاء المكان، يعتمدون جميعهم على جمع القمامة من الطعام وبقايا الأجهزة التي قد يستفيدون منها، في مستقبلٍ قريبٍ ما بعد نهاية العالم. ترافق ذلك مشاهد الحرائق والخراب والممارسات العنصرية للجيش الإسرائيلي للفلسطينيين في غزة.
هذه الناجية الصماء، هي الشاهدة على ما حدث وما يحدث من متغيرات تحرص على الحفاظ على ما تبقى من ذاكرتها، ذاكرة الإنسانية متشبثة بما قالته لها جدتها وما تركته من إرث مكتوب ومصور ومحكي، في مدينة، سان فرانسيسكو الجديدة، وكيف أدى الانهيار المناخي الجامح والحكم الاستبدادي والمراقبة المدفوعة بالتكنولوجيا إلى تحويل العالم إلى مكان بائس يبحث فيه أكثر من مليون شخص عن الطعام بين القمامة، ممزوجة بنضالها مع لقطات أرشيفية من العالم الحقيقي تحذر من أن حاضرنا قد يؤدي إلى هذا المستقبل الكئيب.
إن الماضي والتاريخ سوف يتلاشيان قريباً، تقول شخصية الوثائقي الرئيسة، فيما يشبه الرثاء للتاريخ والمكان: ذات يوم، قالت جدتي إن ذكرياتها كانت تتلاشى من بين أصابعها كالرمل، وإننا لم نكن نعلم، لكن ذلك ما حدث، وقالت إن الماضي والتاريخ سوف يتلاشيان قريباً.
يستهل كاباديا مشاهد فيلمه ممّا توصل إليه العالم عام 2073، لكنه يعود إلى سنوات ماضية، إلى محطات زمنية وتاريخية مهمة حفلت بأحداث مفصلية بتاريخ البشرية، مستعرضاً بلقطات وثائقية ومعلومات رقمية أبرز الفواجع التي قادت العالم إلى هذا الخراب، مستعيناً بأرشيف موثوق بالأحداث التي شجعت على الحروب والإبادات الجماعية في الصين والهند وفلسطين وسوريا، حيث يمتزج السرد الخيالي بعناصر وثائقية، تتناول أزمة المناخ، وصعود اليمين المتطرف، والمراقبة، والإبادة الجماعية، والتهديد المُحدق للذكاء الاصطناعي، ما يُفسّر كيف نشأ هذا المستقبل الكئيب. إنه توازن دقيق، لا يُوفّق فيه الفيلم دائماً، بين إطلاق التحذير والصراخ برعبٍ وجودي، بين حثّ الجمهور على العمل وإغراقهم في اليأس.
هذا ما يعمد إليه المخرج، كاباديا، في تصديه لهموم الإنسان، وطالما تحدث عنها في المقابلات الصَّحَفية والندوات، لينتج ذلك النوع الفريد من خطابات السينما الكونية، المتماهية مع أزمات العالم الكبرى، وهو بذلك لا يقدم خطاباً مباشراً لجمهوره، بقدر ما يبقي جذوة الفكرة الوثائقية المصوغة في قالب فني وجمالي، يتناسب مع ما نعيشه من تحولات رقمية وعلى مستوى الذكاء الاصطناعي. وتتمحور أسئلته حول: لماذا وصلنا إلى هذه النقطة؟ ولماذا دخلنا هذا المأزق؟ ولماذا دخلنا نفق الدستوبيا، (Dystopia) أو "أدب المدينة الفاسدة"، وهو نوع أدبي وفني يصور مجتمعاً خيالياً متخلفاً، مخيفاً، أو غير مرغوب فيه، تسوده الفوضى والقمع والفقر، وهذه الأسئلة تختصر المهمة الأساسية في هذا الفيلم.
واقعياً وجدنا إجابات مشهدية متلاحقة، قدمت لنا عالماً مثخناً بأزماته، فيه 10 ملايين إنسان يموتون سنوياً بسبب التلوث، وأكثر من 100 ألف شخص يموتون سنوياً بسبب الصراعات والحروب، وأكثر من 700 مليون إنسان من حول العالم يعيشون في فقر مدقع. ولتعزيز الجغرافيا في الوثائقي، ومنحه جذراً واقعياً، نجد أن الحل هو التأمّل في ما بقي من خراب البشرية، الذي لا بد أن يؤخذ عينةً مكانية، ولهذا كانت تلك البؤرة هي التي تخندقت فيها الشخصية وسط انعدام مصادر الطاقة والمياه، لا ما بقي من ذكريات تسترجع بها ذاتها، وأنها لا تزال حية.
هذا على صعيد الإنسان، أما على صعيد البيئة والمكان، فالإنسان يمعن في إيذاء بيئته، مع أنه لا يستطيع العيش دونها ودون كونها بيئة صالحة للعيش، ومع ذلك فهو يقطع أكثر من 15 مليار شجرة سنوياً، ولم يبق إلا 36% من الغطاء النباتي على مستوى العالم. وفي ذات الوقت ينتج العالم 10 أطنان من البلاستيك في الثانية الواحدة، ونجد أن ما يرمى في البيئة المحيطة من نفايات بلغت نسبته 79%، وهو ما يعرف بالتلوث البلاستيكي، هذا إضافةً إلى مشكلات التصحر، وذوبان ملايين الأطنان من الجليد في القطب، والانبعاثات الغازية.
الشخصية الصماء تحاول الاختباء كونها آخر من تبقى كشاهدة على هذا التحول نحو الخراب ومن تسبب به، بعد أن قُبِض على زميلتها في الملجأ، التي كانت أستاذة جامعية في التاريخ، موضحة "الجميع يختفون، كل يوم يختفي شخص"، وهي تنتظر دورها للقبض عليها تحت طائلة منع التجوال.
في الجزء الوثائقي من فيلم (2073)، يكشف كاباديا عن المتسببين بوصول العالم لهذا الحد من البؤس والخراب، وهو يسميهم (ملوك العصر) الذين "لم يصوّت لهم أحد ليصعدوا ويتسيّدوا، لكنهم مع ذلك يملكون المال والتأثير، وبأيديهم قوة المعلومات التي يمتلكونها عن البشر، إنهم سادة التقنية الرقمية وزمن الذكاء الاصطناعي، التي حولتنا إلى نوع جديد من البشر"، وهم أيضاً رؤساء الولايات المتحدة، زعماء سياسيين من مختلف دول العالم، سادة البيانات والرقابة الرقمية أصحاب المليارات من ملاك شركات السوشيال ميديا، قادة الصين واضطهادهم للمجموعات المسلمة (الإيغور) ومن تسبب في الصعود بعالم الأزمات التي أوصلتنا إلى عالم خرب في العام 2073، ويختصر الوثائقي أحد العوارض الجانبية للثورة للرقمية وانتشار الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، وهو يتمثل في نشر الخوف والكراهية عبر الإنترنت في جميع أنحاء العالم.
الحاصل أننا صرنا نعيش استعداداً لما هو آت في عالم يشبه الخيال العلمي، اختفت فيه الإرادة الفردية، ويخضع 72% من سكانه لحكم استبدادي بشكل أو آخر، أما الأثرياء فيستعدون لكارثة كبرى، وهي القنبلة النووية الحرارية، فضلاً عن الكارثة المناخية والأوبئة، مما يجعل الأرض غير صالحة للعيش.
بدأ المخرج كاباديا، العمل على فيلم (2073) خلال إغلاق كوفيد-19، وفي أعقاب استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وهنا يتذكر أجواء الإعداد والعمل على الفيلم، التي استغرقت أربع سنوات، ليقدم لنا فيلماً نحاكم من خلاله أنفسنا وبتقنية سينمائية وفق منهجه الدرامي، فقد لفت الأنظار منذ منتصف التسعينيات في اندفاعه نحو التجريب، ولكن تجربته التي أكدت نجوميته وانتشاره كانت عندما حقق الوثائقي "آمي" (Amy) نجاحاً كبيراً، وتوّج بجائزة الأوسكار عن فئة أفضل فيلم وثائقي، وذلك عام 2015، بعد أن عُرض في مهرجان "كان" ذلك العام، كما حصد أكثر من 20 جائزة أخرى من عدة مهرجانات حول العالم.
مقالات ذات صلة
ثقافة وفن 26/04/2026
صدور العدد الثاني عشر من مجلة "LEWerger" بملف خاص عن "الحرب والموت"
ثقافة وفن 25/04/2026
"درب الهجّار" لجيان بدرخان يروي رحلة المنفى من حلب إلى بون
ثم اشتغل على بقية أفلامه الوثائقية مثل "سينا" (Senna) عام 2010، و"دييغو مارادونا" (Diego Maradona) عام 2019، و"فيدرير: الاثنا عشر يوماً الأخير "(Federer: Twelve Final Days)" عام 2024. بالإضافة إلى 6 أفلام روائية، عمّقت مساره ورؤيته المتوازنة ما بين الوثائقي والروائي الطويل.
فيلم (2073) يكشف بالحقائق أسباب الحروب وما ستؤول إليه البشرية من مصير، حيث يتردد صوت وسط الصراعات والدماء، تطلقه الممثلة الرئيسة: ليست في نفسي رحمة ولا شفقة تجاه مجتمع يسحق الناس، ثم يعاقبهم على عجزهم عن تحمل الأذى. تقترب الكاميرا من وجه الممثلة الرئيسة وهي تعلن: "لقد وصلوا إليّ"، لنراها فيما بعد أمام كاميرا التحقيق، ليس هناك أي محقق بل نسمع صوته والعدسة تحدق بعينيها لقراءة أفكارها، بينما تستمر الأسئلة الأمنية: اسمك، مكان ولادتك، من هم أصدقاؤك، هل أعيد تأهيلك.. وهكذا حتى تنتهي الأحداث أو تبدأ من جديد.
