رووداو ديجيتال
أصدر صندوق النقد الدولي (IMF) تحذيراً شديداً بشأن الاقتصاد العراقي، حيث خفّض توقعاته للنمو الاقتصادي في البلاد، في وقت يعيد فيه تصاعد الصراع بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل رسم الخارطة المالية للشرق الأوسط.
وكشف الصندوق في أحدث تقرير له "آفاق الاقتصاد العالمي (WEO)" أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (MENA) ستتحمل "الثقل المالي والاقتصادي الأكبر للحرب الإيرانية"، وأن العراق سيواجه تراجعاً اقتصادياً كبيراً بعد أن كان في طور النمو.
تشير الأرقام الصادرة هذا الأسبوع إلى قصة انهيار سريع؛ إذ يتوقع صندوق النقد الدولي الآن انكماشاً في إجمالي الناتج المحلي (GDP) للعراق بنسبة 6.8% في عام 2026. وهذا يتناقض تماماً مع توقعات المؤسسة السابقة في يناير من هذا العام، حين كانت تتوقع بتفاؤل نمواً بنسبة 3.6% وكان يُنتظر أن يصبح العراق خامس أكبر اقتصاد عربي.
لقد محت "صدمة الحرب" فعلياً مليارات الدولارات من اقتصاد البلاد، وتحولت السنوات الجيدة التي كانت متوقعة للعراق إلى سنوات من التقشف الإجباري في الإيرادات والنفقات.
وفي سائر أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تبدو التوقعات الاقتصادية ضبابية بالمثل، حيث من المتوقع أن ينخفض النمو الاقتصادي في المنطقة إلى 1.1% فقط في عام 2026، مقارنة بنمو بلغ 3.2% العام الماضي.
هذا الانخفاض الذي يبلغ 2.1% يعكس التأثير المباشر للحرب، والسبب واضح: تعطل سلاسل التوريد وشلل أسواق الطاقة. ورغم أن صندوق النقد الدولي يبقي على أمل بنمو قدره 4.8% في عام 2027، إلا أن هذا الانتعاش السريع مرتبط تماماً بعودة حركة نقل الطاقة عبر مضيق هرمز إلى طبيعتها، وهو أمر لا أحد يعرف موعده بدقة.
بالنسبة للعراق، ترتبط الأزمة أساساً بالجغرافيا والبنية التحتية. فباعتباره مصدراً رئيسياً للنفط ومستورداً رئيسياً للسلع، يعتمد بقاء البلاد على تصدير النفط الخام. ويشير تقرير صندوق النقد الدولي إلى أن "تراجع الإنتاج والتصدير" هما السببان الرئيسيان لانهيار إجمالي الناتج المحلي العراقي. ومع إغلاق مضيق هرمز، تحولت مسارات التصدير الجنوبية للعراق -التي تعد شريان الميزانية الوطنية- من أصول استراتيجية إلى أعباء ثقيلة.
ويصنف صندوق النقد الدولي التأثير على العراق وإيران والكويت وقطر بأنه "أكثر بروزاً"، بينما تواجه دول الجوار مثل السعودية والإمارات تقييمات "أقل خطورة". ويعود هذا الجانب إلى حد كبير إلى وجود طرق تصدير بديلة؛ فبينما تم تخفيض نمو السعودية في عام 2026 بنسبة 1.
مقالات ذات صلة
اقتصاد29/04/2026
سعر الدولار يتجاوز 169 ألف تومان
اقتصاد29/04/2026
سعر خام برنت يتجاوز 111 دولاراً
4% ليصل إلى 3.1%، فإن قدرة المملكة على تجاوز مضيق هرمز عبر أنابيب البحر الأحمر تمنحها دعماً استراتيجياً، في حين أن العراق يمتلك خط أنابيب كوردستان-جيهان الذي لا يمكنه تعويض هذا الوضع.
إيران، الطرف الرئيسي في الحرب، تواجه وضعاً أسوأ؛ حيث خفّض الصندوق توقعات نموها بنسبة 7.2%. وبالنسبة للاقتصاد العراقي الذي يرتبط بعلاقات تجارية عميقة مع إيران وشبكات كهرباء متصلة بها، فإن التداعيات الاقتصادية في طهران ستصل حتماً إلى داخل الحدود العراقية، مما يجعل جهود العراق للحفاظ على الاستقرار الداخلي معقدة وصعبة.
ويسلط تقرير صندوق النقد الدولي الضوء أيضاً على "صدمة التجارة" التي أصابت الدول المستوردة للسلع مثل مصر، فرغم أنها ليست طرفاً مباشراً في الحرب، إلا أنها تعاني من ارتفاع تكاليف الوقود والغذاء، وقد راجع الصندوق توقعات نمو مصر وخفضها إلى 4.2%.
وتراقب الأسواق العالمية الآن بقلق شديد "السيناريوهات الأسوأ" لصندوق النقد الدولي. في ظل الحرب، يتوقع الصندوق على المدى القصير بقاء النمو العالمي قريباً من مستوى 3.1%، لكنه يحذر من "سيناريو سلبي" قد يرتفع فيه سعر النفط بنسبة 80% وأسعار الغاز في أوروبا وآسيا بنسبة 160%. في هذه الحالة، سيزداد التضخم العالمي بنسبة 0.9% في الدول الناشئة، مما قد يدفع العراق إلى مرحلة من التضخم المفرط.
وفي "أسوأ السيناريوهات" حيث يتضاعف سعر النفط، يتوقع صندوق النقد الدولي تراجع النمو العالمي إلى 2.0%، وبالنسبة للعراق يعني هذا ركوداً اقتصادياً طويل الأمد. ويشير التقرير إلى أن التضخم في الأسواق الناشئة قد يرتفع بنسبة 1.3% حتى عام 2027، مما يضع البنك المركزي العراقي أمام خيار صعب؛ إما رفع أسعار الفائدة وتقليل السيولة لمحاربة التضخم، أو اللجوء إلى اقتراض داخلي وخارجي كبير.
الأسس المالية هي الأخرى في خطر؛ حيث يشير الصندوق إلى أن الحرب الحالية تضع الحكومة والبنك المركزي العراقي أمام مفترق طرق: إما دعم الفئات المتضررة من ارتفاع تكاليف المعيشة، أو العمل على إعادة بناء الاحتياطيات المالية الأجنبية التي تآكلت بسبب تراجع الصادرات. ويذكر الصندوق أن الحكومة العراقية، وبسبب اضطرارها للاقتراض لتعويض عجز قدره 7.1%، لا تمتلك مساحة كافية لتقديم الدعم الاجتماعي.
إن الطريق نحو عام 2027 لا يزال ضيقاً؛ فتوقعات صندوق النقد الدولي بانتعاش بنسبة 11.3% للعراق في العام المقبل مبنية على فرضية حساسة وهي "عودة إنتاج ونقل الطاقة إلى طبيعته في الأشهر القليلة القادمة". وإذا استمرت الحرب أو تمت إعادة تقييم حجم الأضرار في البنية التحتية، فقد يكون هذا الانتعاش مجرد خيال، مما يترك المنطقة في حالة دائمة من التدهور الاقتصادي.
