لم تكن الحرب السورية، منذ اندلاعها، مجرد مواجهة عسكرية بين أطراف متصارعة على السلطة أو النفوذ، ولم تكن كذلك مجرد أزمة سياسية داخلية سرعان ما تحولت إلى صراع إقليمي ودولي معقد، بل كانت، في جوهرها، حرباً شاملة على الوعي والذاكرة واللغة، حيث أدركت جميع الأطراف مبكراً أن السيطرة على المجال العام لا تتحقق فقط عبر السيطرة على الأرض، وإنما أيضاً عبر السيطرة على المفاهيم وإعادة تعريف الكلمات وتوجيه إدراك الناس للواقع. فالكلمة في زمن الحروب لا تقل خطورة عن الرصاصة والمصطلح السياسي لا يكون مجرد توصيف لغوي، بل يتحول إلى أداة لإنتاج الشرعية أو نزعها، ولإعادة رسم الحدود الفاصلة بين الوطني والخائن، وبين المناضل والإرهابي، وبين المواطن والعدو.
من هذا السياق وُلدت عشرات المصطلحات التي لم تكن موجودة في القاموس السياسي السوري قبل عام 2011، أو لم تكن تحمل هذا الثقل الرمزي والإعلامي. فبرزت مفردات مثل: المندسون والإرهابيون والتكفيريون والشبيحة والخونة والفلول والسلفيون والانفصاليون والبويجية، ثم لاحقاً المكوعون، وغيرها من التسميات التي أصبحت جزءاً من الخطاب الإعلامي اليومي، وتحوّلت تدريجياً إلى هويات سياسية واجتماعية تُلصق بالأفراد والجماعات، حتى فقدت الكلمات معناها الأصلي، وأصبحت تؤدي وظيفة واحدة هي التصنيف والإقصاء والتجريد من الإنسانية.
ولعل مصطلح التكويع يمثل أحد أكثر النماذج دلالة على كيفية صناعة المفاهيم في بيئة الصراع. فالكلمة التي كانت تُستخدم شعبياً بمعنى تغيير الاتجاه أو الانعطاف، أُعيد إنتاجها سياسياً لتصبح مرادفاً للتراجع عن المواقف أو تبديل الاصطفافات، ثم سرعان ما تحولت إلى تهمة أخلاقية وسياسية تحمل في داخلها حكماً بالإدانة، وكأن مراجعة الأفكار أو إعادة تقييم المواقف أصبحت جريمة تستوجب الاحتقار، لا سلوكاً طبيعياً يمارسه الإنسان في ضوء تغير الوقائع وتبدل المعطيات.
وهنا يكمن الخلل العميق في الثقافة السياسية التي أفرزتها سنوات الحرب؛ إذ لم يعد يُنظر إلى مراجعة المواقف بوصفها علامة على النضج الفكري، وإنما باعتبارها دليلاً على الانتهازية أو الخيانة. وفي المقابل، جرى تمجيد الجمود العقائدي حتى وإن أثبت الواقع خطأه، لأن الاعتراف بالخطأ أصبح يُفسَّر على أنه هزيمة، بينما تحولت المواقف إلى هويات ثابتة لا يجوز الاقتراب منها، بغض النظر عن حجم المتغيرات التي شهدتها البلاد خلال أكثر من عقد من الزمن.
غير أن اختزال مفهوم التكويع في تغيير الموقف وحده يضيّع جوهر القضية. فالمشكلة ليست في الكلمة ذاتها، وإنما في البيئة السياسية والإعلامية التي أنتجتها. فالحروب لا تكتفي بإنتاج الضحايا واللاجئين والدمار، بل تنتج أيضاً قاموسها الخاص، وتفرض مفرداتها على المجتمع حتى تصبح جزءاً من الحياة اليومية. وما إن تستقر هذه المفردات في الوعي الجمعي حتى تبدأ بإعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية، لأن الناس يتوقفون عن رؤية بعضهم بوصفهم مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات، ويبدؤون بالنظر بعضهم إلى بعض من خلال القوالب التي صنعتها وسائل الإعلام وآلات الدعاية السياسية.
ولم يكن أي طرف في الصراع السوري بريئاً من هذه الممارسة. فكل معسكر صنع قاموسه الخاص، واخترع توصيفاته التي تمنحه احتكار الوطنية والأخلاق والحق، وتحرم خصومه من أي شرعية سياسية أو إنسانية. هكذا أصبحت الوطنية حكراً على فريق، والثورة حكراً على فريق آخر، والدين حكراً على ثالث، والدولة حكراً على رابع، بينما ضاعت سوريا نفسها بين هذه الاحتكارات المتصارعة.
إن أخطر ما تفعله هذه المصطلحات أنها لا تكتفي بوصف الخصم، وإنما تعيد تشكيل صورته في الوعي العام. فعندما يتكرر وصف شخص أو جماعة بأنهم إرهابيون أو خونة أو فلول أو مكوعون أو انفصاليون، فإن المتلقي لا يعود يرى فيهم بشراً يملكون رواية مختلفة أو رؤية سياسية مغايرة، وإنما يراهم باعتبارهم تهديداً ينبغي عزله أو القضاء عليه. وهنا تتحول اللغة من وسيلة للتواصل إلى وسيلة لنزع الإنسانية ويصبح العنف أكثر قبولاً، لأن الضحية لم تعد تُعامل بوصفها مواطناً، بل باعتبارها عنواناً من عناوين الشر المطلق.
وفي العلوم السياسية يُعرف هذا النمط من الخطاب بأنه أحد أهم أدوات الاستقطاب السياسي، حيث يُعاد تعريف المجتمع وفق ثنائية حادة تقوم على نحن في مواجهة هم. وكلما اشتد الصراع اتسعت مساحة هذه الثنائية حتى تختفي المنطقة الرمادية التي يعيش فيها معظم الناس. فلا يعود هناك مواطن يختلف مع السلطة أو مع المعارضة أو مع أي طرف آخر، بل يصبح الفرد مضطراً إلى الانتماء الكامل لمعسكر معين، وإلا وُضع تلقائياً في خانة الشبهة أو الخيانة أو التواطؤ.
وعليه، فإن الحصيلة الأخطر للحرب السورية لم تكن فقط مئات آلاف الضحايا أو ملايين المهجرين، بل أيضاً انهيار مفهوم المواطنة نفسه. لقد جرى استبدال الصفة بالمواطن، والتصنيف بالإنسان، والموقف السياسي بالفرد. ولم يعد السؤال: من هذا الإنسان؟ وما تاريخه؟ وما أخلاقه؟ وما إسهامه في خدمة مجتمعه؟ بل أصبح السؤال الوحيد: إلى أي معسكر ينتمي؟ وما هو اللقب الذي يمكن إلصاقه به؟
من هنا تبرز المفارقة المؤلمة؛ فبعد سنوات طويلة من الحرب، يكاد المرء يبحث عبثاً عن المواطن السوري بوصفه مواطناً مجرداً من الاصطفافات. الجميع أصبحوا يحملون أوصافاً جاهزة، هذا مندس وذاك إرهابي وآخر تكفيري ورابع شبيح وخامس فلولي وسادس انفصالي وسابع مكوع. حتى بدا كأن سوريا لم تعد تضم شعباً متنوعاً يجمعه وطن واحد وإنما مجموعة من القوائم السوداء التي يتبادل أفرادها الاتهامات، بينما يغيب الإنسان الحقيقي خلف ضجيج الشعارات.
إن أخطر ما في هذه الثقافة أنها لا تنتهي بانتهاء المعارك، بل تستمر في تسميم المجال العام لعقود طويلة. فاللغة التي تُبنى على التخوين تنتج أجيالاً لا تعرف سوى الإقصاء والخطاب الذي يؤسس للكراهية لا يمكن أن يقود إلى مصالحة وطنية حقيقية. إذ لا يمكن بناء دولة حديثة على قاموس يعتبر الاختلاف جريمة أو يحول المراجعة الفكرية إلى خيانة أو يجعل الولاء للأشخاص أو الجماعات أو القوى الخارجية معياراً للوطنية.
لقد أثبتت التجارب التاريخية أن الدول الخارجة من الحروب لا تبدأ بالتعافي عندما تتوقف المدافع، بل عندما تعيد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة على أساس الحقوق المتساوية وسيادة القانون لا على أساس الولاءات والانتماءات الضيقة. فالدولة التي تستبدل مفهوم المواطنة بمنطق التصنيفات، مهما حققت من انتصارات عسكرية أو سياسية ستظل عاجزة عن إنتاج سلام مستدام، لأن السلام الحقيقي يبدأ من الاعتراف بحق الناس في الاختلاف لا من فرض التطابق عليهم.
ولعل السؤال الذي يجب نسأله اليوم ليس، من هو المكوع؟ ولا من هو الفلولي أو الانفصالي أو الإرهابي أو الخائن؟ وإنما، أين اختفى المواطن السوري الذي لا يُعرَّف إلا بصفته مواطناً؟ أين الإنسان الذي يكون انتماؤه الأول للوطن وولاؤه للدستور والقانون واحترامه لكرامة الإنسان، لا للأفراد ولا للرموز ولا للأيديولوجيات ولا لمراكز النفوذ الداخلية والخارجية؟
لذا، فإن استعادة سوريا لا تبدأ بإزالة الركام من المدن وحدها وإنما بإزالة الركام الذي تراكم في اللغة والعقول. فالأوطان لا تُبنى بقواميس التخوين ولا تستقر بمجرد انتصار رواية على أخرى، بل تنهض عندما يصبح الاختلاف السياسي حقاً مشروعاً والمراجعة الفكرية فضيلة لا تهمة والمواطنة هوية جامعة تتقدم على كل الهويات الفرعية. وعندها فقط يمكن أن يعود السوري إلى تعريف نفسه بما كان يجب أن يكون التعريف الوحيد منذ البداية، مواطن حر كريم يدين بالولاء لوطنه وشعبه ودولته لا للأشخاص ولا للأصنام السياسية ولا للأوثان الأيديولوجية ولا لشياطين الخارج التي لم تزد البلاد إلا انقساماً وتمزقاً.



