في الثالث من آب عام 2014، بدأت إبادة جماعية لا تزال عواقبها ماثلة حتى اليوم. في ذلك اليوم، اقتحم مقاتلون من تنظيم ما يسمى بـ "الدولة الإسلامية" (داعش) منطقة شنكال (سنجار) في شمال العراق، موطن الأقلية الإيزدية. أُعدم آلاف الرجال، وخُطفت النساء والأطفال، وتم استعبادهم واغتصابهم وبيعهم. اعترف العالم في نهاية المطاف بهذه الفظائع كإبادة جماعية، وهو تصنيف تقر به الآن رسمياً الأمم المتحدة والعديد من الحكومات، واعتباراً من يناير 2023، البرلمان الألماني (البوندستاغ).
لكن بعد مرور أحد عشر عاماً، لم تنتهِ الإبادة الجماعية حقاً. لقد غيرت شكلها فحسب، متحولة من الوحشية السافرة إلى تآكل صامت. فما كان يُرتكب في الماضي بالعنف، يستمر الآن من خلال الإهمال السياسي، وانعدام الأمن، والانهيار الثقافي، والصدمة العابرة للأجيال. الإبادة الجماعية مستمرة، ليس في عناوين الأخبار، بل في المعاناة اليومية لشعب تخلى عنه المجتمع الدولي.
جرح سنجار المفتوح
لا تزال سنجار منطقة متقلبة وغير مستقرة. فبعد مرور أكثر من عقد من الزمان، لم تتعافَ المنطقة بعد. لقد توقفت جهود إعادة الإعمار، وباتت البنية التحتية العامة في حالة خراب، والحوكمة الفعالة شبه منعدمة. وبدلاً من السلام والاستقرار، أصبحت سنجار الآن ساحة معركة للقوى المتنافسة: الحكومة الاتحادية العراقية في بغداد، والميليشيات المحلية المتنافسة، وبقايا الشبكات المتطرفة. لقد فشلت بغداد باستمرار في فرض سيطرة أمنية أو إدارية فعالة، مما ترك الإيزديين في فراغ من انعدام القانون والخوف.
بالنسبة لما يتراوح بين 200,000 و250,000 إيزدي لا يزالون يقبعون في مخيمات النزوح - والكثير منهم لأكثر من عقد - فإن هذا يعني نزوحاً طويل الأمد، وعدم يقين، ويأساً. ورغم أنهم يملكون نظرياً الحق في العودة، إلا أن هذا يبقى وعداً أجوف.
للأسف، فشلت الحكومة العراقية حتى الآن في إقامة إدارة آمنة وفعالة في سنجار. وقد أدت هذه الإخفاقات إلى تآكل الثقة العامة وشلّت جهود إعادة الإعمار.
إبادة جماعية صامتة: عبر النزوح، والخسارة الثقافية، واللامبالاة العالمية
بينما توقفت المذابح، تستمر الإبادة في شكل آخر: تفكك ثقافة قائمة منذ آلاف السنين. الإيزديون هم من أقدم الطوائف الدينية في العالم، ليس لديهم كتاب مقدس، ولا يمارسون التبشير، لكن لديهم طقوساً وتقاليداً متجذرة بعمق. تتفكك هذه البنى الثقافية، لأن من حافظوا عليها أصبحوا الآن إما مشتتين أو مصدومين أو أمواتاً.
هنا يبدأ شكل ثانٍ من الإبادة الجماعية: المحو من خلال التفكك.
في عملي الأكاديمي حول الصدمة العابرة للأجيال (Transgenerational and Genocidal Trauma)، أوضحتُ أن العنف لا يزهق الأرواح فحسب، بل يترسخ في النفسية الجماعية، مما يؤدي إلى شلل ثقافي يمكن أن يستمر لأجيال.
يعاني الأطفال الذين نجوا من أسر داعش أو وُلدوا فيه من اضطرابات نفسية ونمائية حادة. وتتحمل النساء اضطرابات ما بعد الصدمة المعقدة، لكن الرعاية العلاجية المنهجية وطويلة الأمد لا تزال غير كافية على الإطلاق، سواء في العراق أو إقليم كوردستان أو في الخارج. وهذا أيضاً فشل من المجتمع الدولي؛ فبينما تُقدَّم كلمات التعاطف غالباً، يظل التمويل المستدام والدعم الحقيقي بعيد المنال.
لا تكتمل الإبادة الجماعية بالجريمة الأولى وحدها، بل تكتمل بالصمت والتقاعس والتخلي عن المسؤولية التي تليها.
حتى اليوم، لا توجد فرص تعليمية كافية، ولا ضمانات قانونية للعائدين، ولا دعم استراتيجي للمؤسسات الإيزدية.
مقالات ذات صلة
اراء13/05/2026
ارحموا الثقافة
اراء13/05/2026
ورقة بحثية في السلاح والأمن والسيادة
وفي الوقت نفسه، تستمر الخصومات السياسية في عرقلة جهود إعادة الإعمار الجادة. ولا يزال الضغط الدولي على بغداد غير كافٍ بشكل مؤسف.
لقد اعترفت العديد من الدول رمزياً بالإبادة الجماعية الإيزدية، لكن الرمزية وحدها لا تحمي شعباً. كان برنامج ألمانيا الخاص لعام 2015 للنساء الإيزديات المصابات بصدمات نفسية مثالاً نادراً ومحموداً للعمل الإنساني والبراغماتي. وفي عام 2023، عندما اعترف البرلمان الألماني رسمياً بالإبادة الجماعية، جاء ذلك بوعود جديدة، خاصة فيما يتعلق بإعادة إعمار سنجار. لكن حتى هذه الالتزامات ظلّت غير محققة إلى حد كبير.
المطلوب الآن ليس المزيد من الإيماءات التذكارية، بل تحرك سياسي جريء:
تمويل مستدام لبرامج الدعم النفسي الاجتماعي في العراق وإقليم كوردستان.
حماية قانونية راسخة للأقليات، منصوص عليها في الدستور العراقي وتُطبَّق من خلال مراقبة دولية.
ضغط دبلوماسي واضح على بغداد لتحقيق الاستقرار في سنجار وتطبيق برنامج عودة منظّمة مع ضمانات أمنية.
تمكين المجتمع الإيزدي، لا سيما في مجالي التعليم والحفاظ على الثقافة، لحماية الهوية الإيزدية وضمان مستقبلها.
الصدمة لا تنتهي بوقف إطلاق النار، بل تنتهي بالشفاء
الشفاء ليس مسألة ثانوية، بل هو شرط أساسي للسلام والتنمية. فبدون الاستقرار النفسي، لا يمكن أن يكون هناك تعافٍ اجتماعي. فالعلاج ليس مجرد عمل إنساني، بل هو ضرورة سياسية.
بعد أحد عشر عاماً من الإبادة الجماعية، لا يزال الإيزديون يواجهون تهديداً وجودياً، ليس فقط من العنف، بل من الإهمال والبيروقراطية واللامبالاة السياسية. وإذا كان المجتمع الدولي يؤمن حقاً بمبدأ "لن يتكرر أبداً"، فإن وقت العمل هو الآن.
إن الإيزديين يجسّدون كيف يمكن للثقافات الهشّة أن تُدمَّر ليس فقط بالرصاص والقنابل، بل باللامبالاة أيضاً. فإذا اختفوا، لن تكون الخسارة للعراق وحده، بل للإنسانية جمعاء.
الإبادة الجماعية لم تنتهِ. إنها مستمرة من خلال الشلل السياسي، والإبادة الثقافية، والصدمة الموروثة.
يجب على حكومة إقليم كوردستان أيضاً أن تفعل المزيد. يجب عليها أن تضع الصراعات السياسية مع بغداد جانباً، وأن تقف بحزم مع الشعب الإيزدي، قولاً وفعلاً.
يجب أن يسمع الإيزديون ويروا: أنتم لستم وحدكم.
ما نحتاجه الآن ليس دقيقة صمت أخرى، بل سياسات مدروسة وحازمة تدعم إعادة الإعمار، وتضمن الأمن، وتعزز الشفاء.
أولئك الذين يفشلون في توفير الحماية اليوم سيتحملون عبء المسؤولية غداً.
*يان إيلهان كيزلهان هو بروفيسور في علم النفس، ومؤلف وناشر، وخبير في علم الصدمات النفسية، والصدمات، والإرهاب والحرب، والطب النفسي عبر الثقافات، والعلاج النفسي والهجرة.
