تشكل القومية محوراً أساسياً في الدراسات السياسية والاجتماعية الحديثة، إذ ارتبط ظهور الدولة الوطنية ارتباطاً وثيقاً بتبلور الهوية القومية. ورغم بروز أطروحات نظرية تسعى إلى تجاوز الإطار القومي عبر مفاهيم بديلة ذات طابع معياري أو طوباوي، تكشف التجارب التاريخية والمعاصرة عن محدودية هذه الطروحات في غياب الشروط البنيوية اللازمة لتطبيقها.
من هنا يطرح النقاش حول موقع القومية سؤالاً مزدوجاً: إلى أي حد يمكن اعتبارها واقعاً بنيوياً لا يمكن القفز فوقه؟ وأين تبدأ حدود الطوباوية السياسية التي تحاول استبدالها بخطابات معيارية لا تنسجم مع السياقات الاجتماعية - التاريخية القائمة؟.
تشير الأدبيات الكلاسيكية في العلوم السياسية والدراسات القومية إلى أن الدولة الحديثة هي في معظم الحالات نتاج مباشر للوعي القومي وتبلور الهويات الجمعية. باستثناء بعض النماذج القليلة مثل الولايات المتحدة الأميركية، تشكّلت الغالبية الساحقة من الدول على أساس قومي، سواء بالمعنى الإثني - الثقافي أو السياسي - المدني. وقد أوضح إرنست غيلنر في كتابه Nations and Nationalism أن القومية ليست فكرة عابرة، بل نتيجة حتمية للتحولات المصاحبة لعصر الحداثة، وخاصة التصنيع والتعليم الموحّد، مما جعل الهوية القومية شرطاً أساسياً لقيام الدولة الحديثة.
وفي السياق ذاته، قدّم بنديكت أندرسون أطروحته الشهيرة حول "الجماعات المتخيّلة"، معتبراً أن الأمة ليست كياناً طبيعياً أو أزلياً، بل بناءً اجتماعياً - ثقافياً تشكّل تاريخياً عبر اللغة والإعلام والتعليم وتخييل الانتماء إلى جماعة سياسية - ثقافية واحدة. هذا الفهم يفسّر انهيار كيانات متعددة القوميات، مثل الاتحاد السوفييتي ويوغسلافيا وتشيكوسلوفاكيا، عندما فشلت في إنتاج "تخييل مشترك" جامع لمكوناتها. كما يفسر تقسيم شبه القارة الهندية عام 1947 الى دولتين، الهند وباكستان، على أسس دينية - قومية.
برزت في المقابل استثناءات قليلة تجاوزت الانقسامات الإثنية - الثقافية عبر تأسيس هوية وطنية مدنية جامعة. يشير يورغن هابرماس في مفهومه عن "الوطنية الدستورية" إلى أن شرعية الانتماء يجب أن تستند إلى القيم الدستورية والمواطنة المتساوية، لا إلى الانحدار العرقي أو المذهبي. غير أن هذه النماذج ارتبطت بظروف تاريخية - مؤسساتية خاصة، مما يجعل استنساخها في بيئات لم تُنجز بعد انتقالها الديمقراطي أمراً صعباً.
في بيئات ما زالت غارقة في ما قبل الديمقراطية، تبدو الطروحات حول "الأمة الديمقراطية" أو "اللامركزية الديمقراطية" أو حتى "الاشتراكية الإيكولوجية" شعارات طوباوية، أشبه بديكورات فكرية تحاول تجميل واقع مأزوم.
مقالات ذات صلة
اراء13/05/2026
ارحموا الثقافة
اراء13/05/2026
ورقة بحثية في السلاح والأمن والسيادة
فالمفاهيم المستوردة من تجارب مغايرة غالباً ما تكون انفصالاً عن الواقع أكثر من كونها حلولاً عملية، وتستعمل أحياناً لإخفاء عمق الأزمات البنيوية.
المفاهيم التي صاغها موراي بوكشين ضمن إطار بيئي - اجتماعي، وتبنّاها السيد عبد الله أوجلان في سجنه، تفتقر في السياق الإقليمي إلى الشروط البنيوية اللازمة لنجاحها. إذ تُستدعى في بيئات سياسية - اجتماعية محكومة بالانقسامات القومية والدينية والطائفية، فتظل أقرب إلى خطاب معياري منها إلى مشروع سياسي واقعي. كما أشار إريك هوبسباوم، فإن تجاهل البعد القومي أو محاولة تجاوزه نظرياً لا يؤدي إلا إلى تعميق أزمات الشرعية، لأن القومية - حتى وإن كانت "مختَرعة" أو "متخيّلة" - تظل إطاراً فعالاً لإنتاج الهوية والولاء السياسي.
لا يمكن توصيف الطموحات القومية بأنها "بقايا ماضٍ" أو "متجاوزة"، فهي مكوّن بنيوي في تشكّل الدولة الحديثة واستقرارها. يتجلّى هذا بوضوح في الحالة الكوردية. فالمسألة الكوردية في سوريا، كما في أجزاء كوردستان الأخرى، هي قضية هوية لشعب يعيش على أرضه التاريخية ويطالب بالاعتراف به دستورياً وسياسياً. أي معالجة لهذه القضية عبر مفاهيم طوباوية ستظل قاصرة عن تلبية تطلعات الكورد، بل قد تتحوّل إلى مجرد "ديكور فكري" يخفي عجزاً عن مواجهة الواقع. الحل الأكثر واقعية يكمن في مقاربة دستورية - فيدرالية، تعترف بالتعددية وتوازن بين وحدة الدولة وحق المكونات القومية في المشاركة والمساواة وتمكينها من تقرير مصيرها. الفيدرالية هنا ليست نزعة انفصالية، بل آلية مؤسساتية لتحويل التعددية من مصدر صراع إلى أساس للشرعية السياسية، مع مراعاة الظروف الاجتماعية والتاريخية لكل بيئة.
إن دراسة القومية في سياق الدولة الحديثة تكشف أنها ليست مجرد بقايا من الماضي، بل تشكّل إطاراً بنيوياً أساسياً للشرعية السياسية والهوية الجمعية. وفي المقابل، تبقى الطروحات الطوباوية التي تحاول تجاوز القومية محدودة الفاعلية، لأنها تتجاهل الشروط التاريخية والاجتماعية التي أفرزت هذه الهوية. بالتالي، فإن أي مشروع سياسي أو دستوري يسعى إلى معالجة التعددية القومية يجب أن يبدأ بالاعتراف بهذه الحقيقة الواقعية، مع تطوير آليات مؤسساتية توازن بين وحدة الدولة وحق المكونات في المشاركة والمساواة، ما يحوّل التعددية من مصدر صراع إلى أساس للشرعية والاستقرار السياسي.
