رووداو ديجيتال
لم يكن البروفيسور مالك المطلبي، الذي رحل اليوم الخميس في بغداد عن عمر 85 سنة، مجرد شاعر وكاتب وباحث اكاديمي متميز وناقد، فحسب، بل الاهم من كل هذا كان معلماً اخلاقياً وتربوياً ومثل منار سفن على سواحل الثقافة العراقية والعربية يرشد الاجيال الى طريقها الصحيح نحو بر الابداع والحياة القويمة.
الاتحاد العام للأدباء والكتاب العراقيين نعى اليوم المطلبي في بيان، قال فيه: "ينعى الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق الشاعر والناقد والباحث العراقي البارز مالك المطلبي، الذي فارق الحياة يوم الخميس 26 آذار 2026، عن عمر ناهز 85 عاماً في إحدى مستشفيات العاصمة بغداد".
وُلد المطلبي عام 1941 في ناحية المشرح التابعة لمدينة العمارة، ونشأ في بيئة علمية وأدبية عُرفت بإسهاماتها في مجالات الشعر والنقد والترجمة والقصة.
حصل على شهادة البكالوريوس في اللغة العربية من كلية الآداب بجامعة بغداد، قبل أن يكمل دراساته العليا، إذ نال درجة الماجستير من جامعة القاهرة، ثم الدكتوراه من جامعة بغداد.
عمل في مجال التدريس بالمرحلة الثانوية، وتولى منصب مدير دار ثقافة الأطفال، قبل أن يستقر أستاذاً في كلية الفنون الجميلة بجامعة بغداد.
وأضاف الاتحاد: "منذ عام 1970، انخرط المطلبي في العمل الثقافي والصحافة الأدبية، كما كتب في مجالي الدراما الإذاعية والتلفزيونية، مساهماً في إثراء المشهد الثقافي العراقي، إذ بدأ مسيرته الشعرية بإصدار ديوانه الأول (سواحل الليل) عام 1965، تلاه ديوان (الذي يأتي بعد الموت)عام 1979، ثم (جبال الثلاثاء) عام 1981، كما ترك مؤلفات مهمة في مجالات النحو واللغة والنقد الأدبي، من بينها (الزمن واللغة والسياب ونازك والبياتي.. دراسة لغوية)".
وكتب المطلبي أيضاً للتلفزيون، ومن أبرز أعماله مسلسل (المتنبي وأشهى الموائد في مدينة القواعد)، وحظيت أعمال المطلبي باهتمام نقدي واسع، إذ تناولتها العديد من الدراسات والمراجعات في الصحف والمجلات العراقية.
ويُعد مالك المطلبي من أبرز القامات الثقافية في العراق، إذ أسهم عبر الشعر والنقد والبحث والدرس الأكاديمي في ترسيخ حضوره في المشهد الثقافي، تاركاً إرثاً أدبياً وفكرياً مهماً.
كما تُوِّج المطلبي مشروعه النقدي الكبير بإصداره المهم عن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق مؤخراً والموسوم بـ(رباعية المشروع البصرياثي) الذي تناول فيه تجربة السارد محمد خضير في أربعة أجزاء، ليغدو مرجعاً نقدياً بارزاً للأجيال اللاحقة.
كنا ومازلنا، نكتفي بأن نقول الدكتور مالك المطلبي، فتجتمع كل الصفات النبيلة مع اسمه، لقد علمنا، ووجهنا، ونقدنا وانتقدنا بقسوة المعلم والمربي، ووجهنا، ثم أخذ بايدينا مثل اب يمسك بايدي أبنائه وأرشدنا عما نقرأ وكيف نكتب ونتجنب الاخطاء ويحمينا من الهفوات دون ملل او كلل وبتواضع جم.
عملت تحت ادارته في رئاسة تحرير (مجلتي) و(المزمار) وانا في السنة الاولى من دراستي في كلية الفنون الجميلة بجامعة بغداد، وكنا جيلاً من الكتاب والرسامين والموسيقيين والنحاتين والشعراء نتطلع للابداع ما هو مختلف وبروح متمردة وكان يمنحنا الثقة والمعلومة ويشجع تمردنا.
قبل اقل من شهر التقيت به في ضيافة الصديق الشاعر عارف الساعدي بمكتبه في دار الشؤون الثقافية، كانت مفاجأة او مكافأة لا توصف ولا تقدر قيمتها، وهو في الـ 85 من عمره قص علينا ذكريات كنت قد نسيتها، وحكى عن موطن ولادته ونشأته في اطراف اهوار ريف الحلفاية في ميسان دون ان تفلت منه اية تفاصيل. المطلبي موسوعة معرفية ثقافية مبدع من الصعب ان يتكرر، كان يتطلع لأن يرى عراقاً حضارياً متحرراً وان تعود بغداد التي عشقها منذ وصوله اليها حتى رحيله منارة يشع نور حضارتها على كل الدنيا.
كل ما مررت بمقهى (حسن عجمي) في شارع الرشيد ببغداد، أرى ظلاله وهو جالس يناقش ويساجل مع الراحلين من اصدقائه المقربين، موسى كريدي ومحمد شمسي ورياض قاسم وفؤاد التكرلي ومحمد شاكر السبع. وهذه اسماء جيل انار عصر الثقافة والابداع العراقي. جيل من الصعب جداً أن يتكرر.

