خَفَتَ في الأشهر الأخيرة الوهج المعنوي للانتصار على الاستبداد، وتراجعت الطاقة الروحية التي منحت المجتمعات السورية قدرة إضافية على مقاومة شظف العيش، وتخفيف آلام الجور والاستبداد اللذين خلّفهما الحكم البائد. كما خَفَّ الانتباه إلى العناوين السياسية الفرعية، كالإعمار، وانطلاق قطار التنمية، فضلاً عن الأمل في وصول المساعدات.
في المقابل، تراجعت القدرة الشرائية لليرة السورية، وتجمّدت عجلة الإنتاج في أغلب القطاعات. ولم يقدّم الحكم الجديد برنامجاً اقتصادياً، ولا خطة واضحة لتوفير فرص العمل للعاطلين، فضلاً عن فصل الآلاف من أعمالهم، وتوقف صرف رواتب شرائح متباينة من العاملين سابقاً في الدولة، ما أدى إلى تدنٍّ شديد في مستوى السيولة المتوافرة وضخّها في الدورة الاقتصادية.
المثير للجدل، والغريب في الوقت نفسه، أن واجهات السلطة الجديدة لا تنشغل بهموم الناس ومعضلات حياتهم اليومية، كما لا تناقش حالة الفقر التي عمّت كل أرجاء سوريا. بل على العكس، تعمل على الانقضاض على ما تبقى من المنجزات المتوارثة تاريخياً لصالح الطبقات الوسطى والفقيرة في سوريا.
ومن الأمثلة الصادمة على ذلك: خصخصة الكهرباء وتسعيرتها التي تتجاوز تسعير دول أوروبية، وكذلك السعي إلى خصخصة قطاع الخدمات الطبية، بالتوازي مع رفع الرسوم الجمركية على السلع الأساسية. ثم جاءت زيادة أسعار المحروقات، وخاصة المازوت، كضربة حاسمة حطمت أسس ثقافة حماية المستهلك وضبط الأسعار نسبياً؛ إذ إن سعر المازوت يؤثر بشكل مباشر في ارتفاع كلفة إنتاج جميع المواد الغذائية، وكذلك في كلفة المواصلات والتنقل.
وعلى الرغم من أن العنوان العريض لهذه المرحلة هو الفقر، فإن السلطة الراهنة لم تقارب خطورة الموضوع بعد، ويبدو أنها في وادٍ آخر. إذ يجري نسيان، أو تناسي، أحد ألدّ أعداء الإنسان، وهو الفقر، حتى من منظور ديني لا سياسي فحسب. والمؤسف أن النخب والساسة الجدد في سوريا لم يعودوا يشيرون إلى هجمة الفقر التي تفتك بروح الإنسان والمجتمع.
في المقابل، تواصل المنظمات الدولية المختصة التحذير من اتساع رقعة الفقر عالمياً، وخاصة في البلدان ضعيفة الاقتصاد والجديدة في تجربة الحوكمة، كسوريا.
مقالات ذات صلة
اراء13/05/2026
ارحموا الثقافة
اراء13/05/2026
ورقة بحثية في السلاح والأمن والسيادة
فقد كشف تقرير أخير لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP أن زيادة أسعار الطاقة نتيجة حرب أمريكا وإيران ستفاقم حالات الفقر، إلى درجة أن نتائج الغلاء ستؤثر مباشرة في 37 دولة فقيرة أصلاً في آسيا وأفريقيا، وسينحدر فيها نحو 33 مليون شخص إلى ما دون خط الفقر. كما ستتأثر دول من مجموعة العشرين أيضاً، ومنها دول ذات اقتصاد قوي نسبياً كتركيا. فبصرف النظر عن عنجهيات وخطابات الحكومة التركية، التي تُدرَج في خانة التبجح والبروباغندا السياسية، سينتقل ما يقارب 12 مليون شخص في ظلها إلى مساحة الفقر والعوز، منهم حوالي 7 ملايين طفل، يترك قسم منهم المدرسة لأسباب اقتصادية، وذلك بحسب تقرير مشترك صادر عن اليونيسيف والمعهد الإحصائي التركي. إن الرهان على حكومة تركيا وشركاتها لتحسين الواقع الاقتصادي في سوريا رهان خاطئ، بل إن هذا الاعتماد سيزيد فقر المجتمعات السورية، ويدحرجها نحو الكارثة.
وقد يُطرح السؤال: لماذا كل هذا الخوف؟
لأن مؤشرات الأرقام مرعبة؛ إذ تصنف المنظمات الدولية حدّ الفقر، بمعنى الحد الأدنى لمعيشة الفرد، برقم يتجاوز ثمانية دولارات (8$) يومياً. وبحساب بسيط، فإن العائلة المؤلفة من أربعة أشخاص يلزمها 24 دولاراً يومياً، وهذا يعني أن متوسط ما تتطلبه معيشة عائلة صغيرة في سوريا يبلغ حوالي 720 دولاراً شهرياً، على اعتبار أن أسعار السلع في سوريا باتت أغلى من أسعار السوق العالمية أو تعادلها.
تؤكد هذه الأرقام أن أكثر من 90 بالمئة من العائلات السورية تعيش تحت خط الفقر، بل تنحدر نحو الفاقة والعوز. وفي مطلع شهر أيار، وبمناسبة عيد العمال، ينبغي التذكير من جديد بأن توفير فرصة العمل حق من حقوق الإنسان، وأن أساس الحوكمة الرشيدة ينطلق من التوزيع العادل للثروة، والمحافظة على الحد الأدنى من الخدمات.
ويبدو أن سوريا ظلت بلداً قائماً ومجتمعاً نابضاً بالحياة بفضل توافر تلك الخدمات والحقوق في حدودها الدنيا؛ لذلك فإن المطلوب اليوم هو المحافظة على هذه المكتسبات البسيطة، وتحسين أداء مؤسسات الرعاية الصحية. ويخطئ من يظن أن غضّ النظر عن هذا الحرمان، وإهمال حاجات المجتمع، سيمران بسلام؛ فالإنسان لا يأكل الوعود، ولا يشرب الشعارات.
