حين أتأمل زيارة نيجيرفان بارزاني إلى بغداد، لا أشعر أنها مجرد حدث سياسي عابر. هناك شيء أثقل في هذه اللحظة، كأنها تضع الدولة العراقية أمام مرآة لتسأل نفسها: من نحن، وكيف نريد أن نكون؟ المسألة، في نظري، ليست زيارة بقدر ما هي محاولة لتهدئة علاقة متوترة منذ سنوات، علاقة عاشت بين شراكة معلنة وخلافات غير معلنة. علاقة يمكن تشبيهها بجسد واحد، لكن بروحين حذرتين، كل طرف يحتاج الآخر، لكنه لا يطمئن له تماماً.
إذا أردنا فهم ما يحدث، لا بد أن نعود إلى أصل المشكلة. العلاقة بين بغداد وأربيل لم تُحسم يومًا بشكل واضح. الدستور رسم إطارًا اتحاديًا، نعم، لكنه ترك مساحات واسعة للتفسير، وهذه المساحات امتلأت بالخلاف أكثر مما امتلأت بالتوافق. وهنا تظهر المفارقة: ما كُتب لتنظيم العلاقة، صار أحيانًا سببًا لتعقيدها. الخلاف لم يكن فقط على النفط أو المال، بل على معنى الدولة نفسها: ما هي الدولة الاتحادية في العراق؟
ًفي هذا السياق، يبدو خطاب نيجيرفان بارزاني أقرب إلى محاولة لإعادة ترتيب الأوراق، لا إلى تقديم تنازل. هو يدرك أن المواجهة المستمرة ليست طريقا للاستقرار، وأن إدارة التوتر وتحويله إلى حوار قد تكون خيارًا أكثر واقعية. لذلك نراه يميل إلى لغة هادئة، لكنها ليست ضعيفة، مرنة، لكنها ليست بلا حدود. توازن صعب، وربما محفوف بالمخاطر.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل يكفي هذا الخطاب؟ بصراحة، التجربة العراقية تجعل الإجابة غير مريحة. المشكلة ليست في قلة الكلام، بل في صعوبة تحويله إلى أفعال. هناك فجوة واضحة بين ما يُقال وما يُنفذ، وهذه الفجوة ليست صدفة، بل نتيجة ضعف الثقة وغياب ضمانات حقيقية. لهذا، أي تفاؤل يجب أن يبقى حذراً.
ولا يمكن فصل هذه الزيارة عن محيطها. العراق ليس جزيرة معزولة، بل جزء من منطقة مليئة بالتوترات: صراع نفوذ، أزمات مستمرة، وتحولات سريعة. في مثل هذا الوضع، أي خلاف داخلي قد يتحول بسهولة إلى باب للتدخل الخارجي. كأن الدولة التي لا ترتب بيتها من الداخل، تترك نوافذها مفتوحة لكل الرياح.
ومن جهة أخرى، تقف بغداد أمام اختبار مهم: هل تتعامل مع إقليم كوردستان كشريك حقيقي، أم تبقى أسيرة عقلية المركز؟ هذا السؤال ليس نظريًا، بل يحدد شكل الدولة نفسها. فالاتحاد لا يقوم على فرض السيطرة، بل على توازن مدروس. الإقليم يحتاج إلى ضمانات، والمركز يحتاج إلى شريك يمكن الاعتماد عليه.
من خلال متابعتي لموضوعات الأمن الإقليمي، لفت انتباهي أمر يتكرر كثيرًا: الدول التي تعجز عن إدارة تنوعها الداخلي تصبح أكثر هشاشة. ليس لأن الخارج قوي دائمًا، بل لأن الداخل ضعيف. والهشاشة هنا ليست فقط في الموارد، بل في الثقة والانسجام والقدرة على اتخاذ قرار موحد. وهذا ما يجعل علاقة أربيل وبغداد مسألة أكبر من مجرد خلاف داخلي.
ومع ذلك، لا ينبغي المبالغة في التوقعات. هذه الزيارة، مهما كانت مهمة، لا يمكنها وحدها حل كل المشاكل. الملفات العالقة كالنفط، الموازنة، الصلاحيات، والمناطق المتنازع عليها ليست بسيطة. كل واحد منها يحمل تاريخًا من التعقيد وعدم الثقة. وحلها يحتاج إلى عمل طويل، وليس مجرد لقاء أو تصريح.
التحدي الحقيقي، كما أراه، هو الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء نظام مستقر. الأول يعتمد على حلول مؤقتة، أما الثاني فيحتاج إلى رؤية بعيدة ومؤسسات قوية وثقافة سياسية تقبل الاختلاف دون خوف. وهذا التحول لم يكتمل بعد في العراق.
لذلك، يمكن النظر إلى الزيارة كخطوة صغيرة هادفة وطموحة في طريق طويل مليء بالتعقيدات. إنها ليست حلًا نهائيًا، لكنها قد تفتح بابًا. والسياسة غالباً لا تتغير دفعة واحدة، بل عبر تراكم خطوات صغيرة.
إذن، يبدو الأمر واضحًا رغم تعقيده: لا يمكن للعراق أن يستقر دون علاقة صحية بين مركزه وأطرافه، ولا يمكن لإقليم كوردستان أن يحافظ على مكاسبه دون دولة عراقية قوية. كل طرف مرتبط بالآخر، وأي محاولة للنجاح بشكل منفصل لن تدوم.
لهذا، فإن زيارة نيجيرفان بارزاني إلى بغداد ليست مجرد خبر سياسي، بل سؤال مفتوح: كيف يمكن بناء شراكة حقيقية داخل دولة معقدة؟ لا توجد إجابة سهلة، لكن مجرد طرح السؤال بهذا الشكل قد يكون بداية مختلفة تستحق الانتباه.
