منذ أكثر من قرن، وُلدت الدولة السورية الحديثة في سياق ترتيبات استعمارية فرضتها القوى الكبرى، فرنسا وبريطانيا، عبر تفاهمات سايكس بيكو التي أعادت رسم خرائط الشرق الأوسط على أسس جيوسياسية لم تراعِ الإرادة الشعبية ولا الخصوصيات الاجتماعية والثقافية للمجتمعات المحلية.
ونتيجة لذلك، تشكّلت الدولة السورية، شأنها شأن معظم كيانات المنطقة، بوصفها مشروعاً فوقياً مفروضاً على مجتمع متنوع لم يُتح له أن يصوغ عقده الاجتماعي بإرادته الحرة. ومنذ تلك اللحظة التأسيسية، واجهت سوريا معضلة بنيوية تمثلت في غياب هوية وطنية جامعة وعجز النظام السياسي عن إدارة التعددية المركّبة لمجتمعها.
فالمجتمع السوري لم يكن يوماً كياناً متجانساً، بل فسيفساء إثنية ودينية وثقافية غنية: عرب، وكورد، وسريان - آشوريون، إلى جانب أقليات أخرى. وعلى الصعيد الديني والمذهبي، يضمّ البلد طيفاً واسعاً من المسلمين بمذاهبهم المختلفة (سنة، علويون، دروز، إسماعيليون)، والمسيحيين بطوائفهم المتعددة، فضلاً عن الايزديين الذين ظلوا من أكثر المكوّنات عرضة للتهميش. هذا التنوع، لو أحسن التعامل معه والاعتراف به، كان يمكن أن يشكّل قاعدة صلبة لبناء نموذج وطني متوازن. غير أن الدولة، منذ تأسيسها، اختارت طريق الإلغاء والصهر، معتبرة التعددية تهديداً لوحدتها، وسعت لفرض هوية أحادية تحت شعاري “الوحدة الوطنية” و”الأمة العربية الواحدة”، لتتحول هذه الشعارات في الممارسة إلى أدوات للإقصاء وإنكار الآخر وصهره في بوتقة القومية العربية.
لقد أثبتت التجربة التاريخية أن المركزية المفرطة لم تؤدِّ إلى تعزيز الانتماء الوطني، بل أسهمت في تفكيكه. ففي ظل الأنظمة القومية، جرى نفي هوية الكورد والسريان وغيرهم بذريعة حماية الوحدة الوطنية، بينما في ظل الأنظمة السلطوية الأمنية، اختُزل المواطن إلى مجرد تابع لجهاز الدولة، محروم من أي تعبير حر عن هويته. وهكذا ظل السوري متمسكاً بهوياته الفرعية – الإثنية أو الدينية أو المناطقية – بوصفها ملاذه الوحيد أمام غياب عقد وطني جامع. ومع اندلاع الحرب، انفجرت هذه الهويات دفعة واحدة، لتكشف عمق الأزمة التاريخية الكامنة التي طالما جرى تجاهلها.
إن أحد المفاتيح الجوهرية للخروج من هذه الأزمة يكمن في الانتقال من الدولة المركزية الأحادية إلى الدولة اللامركزية التشاركية. فاللامركزية السياسية ليست مجرد آلية إدارية، بل هي رؤية مؤسساتية قانونية ودستورية لإدارة التعددية والاعتراف بها ضمن إطار وطني موحد. كما تتيح توزيع السلطة والموارد بشكل أكثر عدالة، وتمكّن المكوّنات المحلية من المشاركة الفعلية في صنع القرار، بما يعزز الانتماء الوطني ويحدّ من احتمالات التهميش والصراع.
تُظهر التجارب المقارنة في العالم أن المجتمعات المتعددة لا تستقر إلا عبر صيغ حكم لامركزية متوازنة. فسويسرا، على سبيل المثال، نجحت في تحويل تعدديتها اللغوية والثقافية إلى عنصر استقرار من خلال نظام فدرالي يقوم على تقاسم الصلاحيات بين الكانتونات. والهند، بما تحمله من تنوع ديني ولغوي هائل، أرست نظاماً ديمقراطياً لامركزياً يمنح الولايات قدراً واسعاً من الحكم الذاتي، فحافظت بذلك على تماسكها رغم تعقيدها الداخلي.
وعلى الصعيد العربي، نجد أن العراق اعتمد نموذجاً فدرالياً بعد عام 2003 مكّنه – رغم ما يواجهه من تحديات – من الاعتراف بالتعدد القومي والإقليمي عبر إقليم كوردستان كنموذج للحكم الفيدرالي ضمن الدولة العراقية. أما الإمارات العربية المتحدة، فتمثل نموذجاً آخر للفدرالية التعاقدية الناجحة التي استطاعت عبر توزيع السلطات بين الإمارات الأعضاء تحقيق توازن بين الوحدة والسيادة المحلية، مما جعلها من أكثر التجارب العربية استقراراً وفاعلية.
تُعدّ القضية الكوردية في سوريا أحد أبرز تجليات إخفاق الدولة المركزية في إدارة التنوع القومي والثقافي ضمن إطار وطني متماسك. فقد عانى الكورد على مدى عقود من سياسات ممنهجة للتمييز والإقصاء، تمثلت في نزع الجنسية عن مئات الآلاف منهم وحرمانهم من حقوقهم اللغوية والثقافية، فضلاً عن إنكار وجودهم كقومية مستقلة ذات خصائص مميزة. هذا الواقع عمّق شعورهم بالاغتراب والتهميش، وجعل من المسألة الكوردية عنصراً جوهرياً في بنية الصراع السوري. إن أي معالجة حقيقية لهذه الإشكالية لا يمكن أن تقوم على النفي أو الإقصاء، ولا بفرض الوحدة بالقسر والصهر، بل تتطلب تبنّي نموذج لامركزي ديمقراطي يضمن مشاركة فعلية للكورد وسائر المكوّنات الوطنية في إدارة شؤونهم، ضمن دولة موحدة ترتكز على المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، وترسخ مبادئ العدالة والمساواة، لتصبح التعددية مصدر قوة لا تهديداً.
غير أن تطبيق اللامركزية في سوريا لا يمكن أن يُبنى على الأسس الإدارية الحالية، إذ صُممت هذه الحدود تاريخياً لأغراض سياسية وأمنية لا تعكس الواقع الاجتماعي أو التوزيع الفعلي للمكونات السكانية. فبعض المحافظات والمناطق رُسمت حدودها لتفتيت مكوّنات معينة أو دمجها قسراً في محيط غير متجانس. ولذلك، فإن أي مشروع لامركزي ناجح يجب أن يبدأ بمراجعة شاملة للخرائط الإدارية، بما يحقق الانسجام الديموغرافي ويحترم الخصوصيات القومية والثقافية للمناطق المختلفة.
إن الإصرار المستمر لبعض القوى السياسية السورية على التمسك بالحدود الإدارية القائمة وكأنها “ثوابت وطنية” غير قابلة للنقاش، وعلى الدفاع عن نظام مركزي أحادي الهوية في دولة متعددة فعلاً، لا يعكس حرصاً على الوحدة بقدر ما يجسد خوفاً من الاعتراف بالتعددية. إن الحدود الإدارية، بطبيعتها، ليست كيانات مقدسة، بل أدوات تنظيمية قابلة للمراجعة كلما اقتضت المصلحة العامة وحفظ التوازن المجتمعي. أما حين تتحول إلى وسيلة للهيمنة والإقصاء، فإن إعادة النظر فيها تصبح ضرورة سياسية وأخلاقية معاً.
إن تحقيق انتقال فعلي نحو اللامركزية يتطلب دستوراً جديداً يقوم على الاعتراف الصريح بالتعددية القومية والدينية والمذهبية، ويؤسس لدولة مدنية ديمقراطية قائمة على مبدأ المواطنة المتساوية وتداول السلطة. دستور يشكّل عقداً اجتماعياً جديداً بين الدولة والمجتمع، ويضمن أن تكون السلطة أداة للخدمة لا أداة للقمع، وأن تُبنى الهوية الوطنية على قاعدة التعدد لا على إنكاره.
لقد بلغت سوريا بعد أكثر من عقد من الصراع مرحلة مفصلية في تاريخها الحديث. فإما أن تعود إلى مركزية متصلبة تعيد إنتاج الاستبداد والانقسام، وإما أن تنفتح على نموذج لامركزي ديمقراطي يتيح مشاركة جميع المكونات في صياغة مستقبلها. والاعتراف بالتنوع في هذا السياق ليس خياراً سياسياً قابلاً للأخذ والرد، بل ضرورة وجودية لضمان بقاء الدولة ووحدتها واستقرارها.
إن سوريا الممكنة هي تلك التي تتسع للجميع: عرباً وكورداً وسرياناً –آشوريين، مسلمين ومسيحيين وايزديين، سنّة وعلويين ودروزاً؛ سوريا التي تتحول فسيفساؤها من مصدر صراع إلى مصدر قوة، وتُعاد فيها صياغة العلاقة بين المركز والأطراف على أساس العدالة والمشاركة. تلك هي سوريا المستقبل – دولة التعدد والمواطنة، لا دولة الإقصاء والإنكار.
