في العقود الأخيرة، باتت عدة أنظمة في الشرق الأوسط تتعامل مع أزماتها الداخلية المتفاقمة إما عبر تصديرها للخارج، أو بتوظيف الخطابات القومية والدينية لشرعنة القمع والهيمنة. وبينما يئن المواطن تحت وطأة الفقر والبطالة وغياب العدالة، تنشغل النخب الحاكمة بمشاريع توسع ونفوذ على حساب جيرانها، أو بملاحقة كل صوت مستقل يسعى للتغيير.
تتكرر مشاهد القمع والانقسام وغياب المؤسسات في أكثر من دولة، ومعها تتوارى فرص بناء دول مستقرة وعادلة. وفي المقابل، تتعزز القناعة بأن غياب الديمقراطية – لا العدو الخارجي – هو الجذر العميق لمعظم ما تعانيه المنطقة.
فيما يلي قراءة في تجارب أربع دول محورية في المنطقة، تُظهر كيف أن انعدام الديمقراطية قاد إلى هشاشة الدولة، وتحوّلها إلى أداة قمع داخلي أو تدخل خارجي، مع إضاءة خاصة على القضية الكوردية بوصفها نموذجاً حياً لأزمة الإنكار وغياب الشراكة الوطنية.
التركيز هنا على تركيا، إيران، العراق وسوريا لم يأتِ عشوائياً، بل نابع من قناعة بأن هذه الدول الأربع، رغم تباين أنظمتها السياسية، تشترك في إنكار مستمر للحقوق القومية والسياسية للكورد، كشعبٍ أصيل محروم ومضطهد. فالكورد، بالرغم من كونهم أقلية عددية في تلك البلدان، إلا أنهم يشكلون الأكثرية في مناطقهم التاريخية الممتدة عبر هذه الجغرافية. إن غياب أي حل عادل للقضية الكوردية في هذه البلدان، لا يعكس فشلاً سياسياً فحسب، بل يُعدّ مؤشراً صارخاً على الخلل العميق في بنية الدولة الوطنية الحديثة فيها، التي فشلت في الاعتراف بالتعددية كمبدأ تأسيسي.
في الواقع، تمثل القضية الكوردية في هذه البلدان الأربعة مرآة تعكس مدى جديتها في بناء عقد اجتماعي جديد، يقوم على العدالة والمساواة والاعتراف. لذلك، فإن أي تحول ديمقراطي حقيقي في هذه الدول لا يمكن أن ينجح أو يكتمل دون مواجهة هذا الملف بشجاعة، والانتقال من منطق الهيمنة إلى منطق الشراكة.
تركيا.. أزمة داخلية تُمصدر إلى الخارج
تعاني تركيا اليوم من أزمات عميقة ومتعددة الأبعاد. فعلى الصعيد الاقتصادي، تتهاوى قيمة الليرة بشكل متسارع، وتتصاعد معدلات التضخم وأسعار السلع والخدمات، في وقتٍ تتراجع فيه القدرة الشرائية للطبقات الوسطى والفقيرة، دون وجود حلول حقيقية تعيد الثقة بالأسواق أو بالعملة الوطنية.
سياسياً، تتّجه البلاد على ما يبدو نحو تغييرات دستورية تُكرّس السلطة الفردية، وتُقيد استقلالية القضاء والبرلمان ومؤسسات الرقابة. وهذا الانحراف عن المبادئ الديمقراطية يفتح الباب أمام شكل من الحكم المطلق ويضيّق الفضاء السياسي أمام المعارضة.
أما أمنياً وحقوقياً، فشهدت تركيا في السنوات الأخيرة تصاعداً مقلقاً في القمع، عبر اعتقال الصحفيين والنشطاء والمعارضين، وارتفاع أعداد المعتقلين السياسيين، في مشهد يعكس تضييق الحريات وخنق التعبير المستقل.
ورغم هذا الوضع الداخلي المتأزم، تُواصل أنقرة انشغالها بتدخلات عسكرية وسياسية خارج حدودها: من قبرص إلى ليبيا، ومن كردستان العراق إلى سوريا، مرورًا بعلاقات متوترة مع مصر تراجعت مؤخراً بعد تنازلات واضحة من جانبها. هذه التدخلات، التي تُسوَّق بذرائع أمن قومي، تتجاوز ذلك نحو أهداف جيوسياسية أعمق، وتتعارض مع سيادة دول مجاورة تُعاني أصلاً من الحروب والصراعات.
إيران.. نفوذ مقابل الانهيار
النظام الإيراني أيضاً يستخدم التدخلات الإقليمية كوسيلة لتعزيز نفوذه، لكن ذلك أتى على حساب الداخل. فإيران التي كانت يُنظر إليها كدولة ذات وزن حضاري ودبلوماسي واقتصادي في المنطقة، تحوّلت اليوم إلى دولة منهكة، تعاني عزلة دولية وتدهوراً اقتصادياً حاداً.
تدخلاتها في العراق وسوريا ولبنان واليمن، لم تكن دعماً لشعوب هذه البلدان، بل أدوات منهجية لتقويض الدولة الوطنية وتفكيك بنيتها. وقد دفع الإيرانيون ثمناً باهظاً لهذا المشروع التوسعي: داخلياً بخنق الاقتصاد، وخارجياً بتراجع صورة إيران ونفوذها الحقيقي على المدى الطويل.
العراق.. دولة بلا مؤسسات حقيقية
في العراق، وبعد مرور أكثر من اثنين وعشرين عاماً على سقوط نظام صدام حسين، لاتزال الدولة عاجزة عن النهوض. فرغم الثروات النفطية الهائلة، يعيش العراقيون تحت وطأة فقر متزايد وبطالة مزمنة، وتدهور مستمر في البنية التحتية والخدمات.
مقالات ذات صلة
اراء13/05/2026
ارحموا الثقافة
اراء13/05/2026
ورقة بحثية في السلاح والأمن والسيادة
المجتمع العراقي يعاني من تشظٍ عميق، حيث تتغلب الولاءات الطائفية والمناطقية على الهوية الوطنية، فيما فشلت الطبقة السياسية في بناء مؤسسات فاعلة أو ضمان سيادة القانون.
الدستور العراقي، المُقرّ عام 2005 بقي معطلاً في كثير من جوانبه. فالمادة 65، التي تنص على إنشاء "مجلس الاتحاد" كغرفة تشريعية ثانية إلى جانب مجلس النواب، لم تُنفذ حتى اليوم. ويبدو أن هذا التجاهل ليس عبثياً، بل يعكس مسعى واضحاً لتفريغ النظام الاتحادي من مضمونه، وهو ما يظهر جلياً في العلاقة المتوترة مع إقليم كوردستان – العراق، حيث تُستخدم أدوات اقتصادية مثل الرواتب والمخصصات كوسيلة ضغط سياسي على الإقليم وشعبه.
في المقابل، تُترك الساحة في المناطق العربية من العراق مفتوحة للميليشيات المسلحة المرتبطة بطهران، والتي باتت تتقاسم النفوذ والسلطة مع مؤسسات الدولة، بل تتجاوزها أحياناً. هذه الازدواجية أفرغت مفهوم الدولة من جوهره، وأدخلت العراق في حالة شلل سياسي وأمني دائم.
سوريا.. من الحرب إلى إعادة إنتاج الاستبداد
رغم مرور أكثر من عقد على بدء الحرب في سورية وعليها، لا تزال البلاد بلا مخرج سياسي حقيقي. وسقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول 2024 لم يُحدث التغيير الجذري المأمول، إذ لاتزال البُنية الذهنية التي قامت على القومية والتسلط والطائفية حاضرة في معظم مفاصل السلطة.
الانقسامات الداخلية والتدخلات الخارجية زادت من تعقيد المشهد، وأجهضت فرص الحل الوطني، فيما تبقى مكونات الشعب السوري، ومنها الكرد، محرومة من حقوقها الأساسية في إطار دولة تعددية عادلة.
القضية الكوردية مفتاح الاستقرار الإقليمي
تُجسّد القضية الكوردية غياب الحلول الديمقراطية العادلة في المنطقة. في تركيا، ظلت هذه القضية محصورة في مقاربة أمنية – عسكرية، بدل الاعتراف بالحقوق القومية والسياسية والثقافية المشروعة للكرد، كشعب أصيل وشريك في الوطن. هذا الإنكار عمّق الشرخ بين الدولة ومواطنيها الكورد، وفتح الباب أمام مزيد من العنف والتطرف.
وفي سوريا، بقيت حقوق الكورد والمكونات الأخرى رهينة التجاذبات الإقليمية، في غياب أي مشروع وطني جامع يُنهي التهميش ويضمن الشراكة المتساوية.
أما في إيران، فتواجه القومية الكوردية قمعاً منهجياً، وتُمنع من التعبير الثقافي والسياسي. وحتى في العراق، حيث نال الكورد اعترافاً دستورياً، لاتزال الفيدرالية تتعرض للتهميش والتقويض من قبل السلطة التي يُفترض أن تكون حسب الدستور "اتحادية".
إن حل القضية الكوردية في هذه الدول، عبر ضمان الحقوق القومية المشروعة ضمن أطر ديمقراطية اتحادية، هو خطوة مركزية لأي استقرار حقيقي في المنطقة.
لقد أثبتت التجارب أن الحلول العسكرية والأمنية، مهما بدت حاسمة، لا تصنع استقراراً دائماً. بل تُراكم العنف والكراهية والانقسام، وتفتح الباب أمام التدخلات الخارجية. وحدها الديمقراطية الحقيقية، القائمة على المساواة والحرية وحقوق الإنسان، هي القادرة على إنهاء أزمات هذه المنطقة من جذورها.
دولة ديمقراطية تعددية، تكفل المواطنة المتساوية، واستقلالية القضاء، وتداول السلطة السلمي، هي السبيل لضمان السيادة الوطنية ومنع التدخلات، كما أنها المدخل إلى ازدهار اقتصادي وعدالة اجتماعية.
أما الشعارات القومية والدينية التي تُستخدم لتبرير القمع أو التدخلات، فلن تصنع أمناً ولا وحدة، بل تُعمّق الانقسامات وتُطيل أمد المآسي.
الديمقراطية كضمانة مستقبلية
إن قوة الدول لا تُقاس بجيوشها خارج الحدود، بل بقدرتها على تأمين حرية وعدالة وكرامة مواطنيها. لقد دلّ التاريخ الحديث على أن الدول التي اختارت طريق الديمقراطية المستندة إلى التعددية، هي التي استطاعت أن تبني استقراراً حقيقياً وتنمية مستدامة.
في المقابل، فإن الأنظمة التي اختارت القمع وتصدير الأزمات إلى الخارج، وجدت نفسها في عزلة متفاقمة، وتفكك داخلي، وانهيار اقتصادي.
