في زمنٍ تبدو فيه الضوضاء أعلى من المعنى، وتتقدّم الطقوس والمظاهر على الجوهر، يبرز سؤال الهوية الكوردية في سوريا بوصفه واحداً من أكثر الأسئلة إلحاحاً وتعقيداً. فبعيداً عن مشاهد التعيينات، واحتفالات المباركات، والخطابات العابرة، ثمة تحوّل عميق يجري بصمت في بنية الوعي الكوردي ذاته - تحول لم تعد فيه الكوردية تُصاغ انطلاقاً من جذور سياسية راسخة تعود إلى منتصف القرن الماضي (1957)، ولا من أدبيات وطلاسم تجربة الإدارة الذاتية بكل ما حملته من آمال وإخفاقات، بل باتت تُعاد صياغتها ضمن سياقات جديدة تتقاطع فيها الإرادات المحلية مع الحسابات الإقليمية والدولية .
هذا التحول لا يكشف فقط عن اختلاف في الرؤى السياسية، بل يعري أزمة أعمق تتعلق بقدرة المجتمع الكوردي على تعريف ذاته بنفسه. فحين تفقد أي جماعة بشرية هذه القدرة، تترك فراغاً سرعان ما تمتلئ مساحته بتصورات تُصنع خارجها، لا بما يعكس تطلعاتها الحقيقية، بل بما يخدم توازنات القوى المحيطة بها. وعند هذه النقطة، لا يعود السؤال الأهم: من يمثل الكورد؟ بل كيف يُصاغ هذا التمثيل، وعلى أي أسس يُبنى، ولصالح من يعمل؟.
إن فكرة الاندماج في مؤسسات الدولة السورية ليست، من حيث المبدأ، موضع إشكال. فالاندماج قد يشكل مدخلاً ضرورياً للاستقرار، وإعادة بناء دولة تتسع لجميع مكوّناتها دون إقصاء. غير أن الإشكالية تبدأ حين يتحول هذا الاندماج إلى عملية تذويب تدريجية، لا تعترف بالخصوصية الثقافية والسياسية، ولا ترى في التعددية قيمة تأسيسية للدولة الحديثة. عندها، يصبح الاندماج أقرب إلى استيعاب قسري ناعم، يُطلب فيه من الكورد التخلي عن أجزاء من ذاكرتهم وهويتهم مقابل الاعتراف بهم داخل إطار أوسع.
وما يزيد المشهد تعقيداً أن هذا المسار لا يُطرح دائماً بوضوحٍ وصراحة، بل يُقدم أحياناً بوصفه قدراً لا مفر منه، أو باعتباره الحل الوحيد الممكن في ظل انسداد الأفق السياسي. ومع مرور الوقت، يُعاد إنتاج هذا الواقع المفروض داخل الخطاب العام حتى يتحول من حالة اضطرار إلى ما يشبه "الخيار الطبيعي".
مقالات ذات صلة
اراء13/05/2026
ارحموا الثقافة
اراء13/05/2026
ورقة بحثية في السلاح والأمن والسيادة
وهذه واحدة من أخطر آليات التكيف السياسي، لأنها تنتج قناعة زائفة تستبطن الإكراه دون أن تجرؤ على تسميته.
وبين إرثٍ تاريخي لم يُستثمر كما ينبغي، وتجربة سياسية لم تنضج بما يكفي لتتحول إلى نموذج مستقر، يجد الكورد أنفسهم أمام فراغ سياسي وفكري متزايد. والفراغ، بطبيعته، لا يبقى طويلاً - إذ سرعان ما تملؤه رؤى ومشاريع قد لا تعبر عن الطموحات الحقيقية للناس. وهنا يكمن الخطر الأكبر: ليس فقط في فقدان التمثيل، بل في فقدان القدرة على مساءلة هذا التمثيل، أو حتى تخيل بدائل مختلفة عنه.
إن ما يجري اليوم لم يعد مجرد صراع داخلي بين مشاريع متنافسة، بل أصبح عملية إعادة تشكيل للهوية تحت ضغط معادلات خارجية معقدة، تتجاوز حدود الجغرافية السورية نفسها. وفي ظل هذا التشابك، يغدو التحدي الحقيقي هو الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقلالية في التفكير، وعلى القدرة في طرح الأسئلة الجوهرية بعيداً عن الخوف أو الاصطفاف المسبق.
فالمطلوب اليوم ليس الانحياز لهذا الطرف أو ذاك، ولا الاكتفاء بردود الفعل العابرة، بل استعادة المبادرة الفكرية والسياسية معاً - استعادة القدرة على تعريف الذات من الداخل، وبناء مشروع يعبر فعلاً عن الناس لا عن موازين القوى. مشروع يعترف بالتعددية بوصفها غنى، ويصون الخصوصية بوصفها حقاً، ويبحث عن صيغة اندماج لا تُلغي الهويات، بل تُثري المجال المشترك.
في النهاية، تبقى الهوية سؤالاً مفتوحاً لا يُحسم بقرار سياسي، ولا يُفرض بإرادة خارجية. إنها عملية مستمرة من التعريف وإعادة التعريف، تحتاج إلى شجاعة في التفكير، وصدق في التمثيل، وإرادة حقيقية في أن يكون الصوت نابعاً من الداخل، لا مجرد صدى لما يُراد له أن يكون.
