رووداو ديجيتال
في خضم المأساة السورية المستمرة منذ أكثر من عقد، وما رافقها من عنف ودمار وتهجير طال معظم الجغرافية السورية، يبرز المشهد الكوردي بوصفه أحد أكثر المشاهد إيلاماً وتعقيداً. ظل الشعب الكوردي أحد أكثر المتضررين، مستهدفاً إثنياً وسياسياً.
من عفرين إلى حلب، مروراً بسري كانية وگري سپي، تتكرر الانتهاكات بشكل ممنهج. فالكورد في سوريا لم يكونوا مجرد ضحايا جانبيين للصراع، بل كانوا – ولا يزالون – في قلب الاستهداف، سواء عبر سياسات الإقصاء التاريخية التي مورست بحقهم لعقود طويلة، أو من خلال ممارسات الفصائل المسلحة، وخاصة المدعومة تركياً منها. هذه الفصائل حملت حقداً أعمى تجاه الكورد، واستغلت الفوضى السورية لتصفية حسابات قومية وأيديولوجية.
وما شهدته الأحياء ذات الغالبية الكوردية في مدينة حلب مؤخراً، الأشرفية والشيخ مقصود، ليس حدثاً معزولاً أو استثناءً، بل هو حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الانتهاكات. فالمشهد الصادم لرمي جثة مقاتلة كوردية من أحد الطوابق في حي الشيخ مقصود، وما رافقه من تهليل وتكبير، لا يعكس فقط مستوى الوحشية، بل يكشف بوضوح حجم الكراهية المتجذرة لدى تلك الفصائل المسلحة تجاه الكورد، بوصفهم هوية ووجوداً، لا مجرد طرف سياسي أو عسكري.
وهذا السلوك ليس جديداً، إذ شكّلت منطقة عفرين (چياي كورمينج)، منذ سيطرة الفصائل المسلحة المدعومة تركياً عليها عام 2018، نموذجاً صارخاً لممارسات منهجية إرهابية ترقى إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية، بل تتجاوز ذلك إلى ما يمكن اعتباره شكلاً من أشكال الإبادة القومية والثقافية والتاريخية والجغرافية، من خلال التهجير القسري، والتغيير الديمغرافي، وتدمير المعالم التاريخية والدينية، في محاولة واضحة لتغيير الجغرافية البشرية والتلاعب بالهندسة الديمغرافية على حساب هويتها الأصلية، ما يجعل ما يجري اليوم في حلب امتداداً لمسار واحد لا يمكن فصله عن سياقه العام.
ومع ذلك، فإن تحميل المسؤولية للآخر وحده، مهما بلغت جرائمه، لا يكفي ولا يعفينا نحن الكورد من واجب المراجعة الصادقة. فقد ساهمت أخطاء ذاتية، ورهانات سياسية غير محسوبة، وخيارات افتقرت أحياناً إلى الواقعية، في تعميق الخسائر التي لحقت بشعبنا في مراحل مختلفة من الصراع.
أمام هذا الواقع المؤلم، لا يبدو أن أمامنا نحن الكورد سوى العودة إلى البوصلة الصحيحة، والتمسك، قبل كل شيء، بمصالح شعبنا في غرب كوردستان، باعتبارها الأساس الذي يجب أن تُبنى عليه كل المواقف والخيارات السياسية والعسكرية. لقد أثبتت التجربة، مرة بعد أخرى، أن تضييع الأولويات، أو تغليب أجندات خارجية، أو الانجرار خلف شعارات عابرة للحدود لا تنطلق من الواقع المحلي، كان دائماً على حساب أمن الناس ووجودهم واستقرارهم.
لقد آن الأوان للتخلي عن الشعارات الطوباوية والأيديولوجية التي رُفعت باسم التحرر أو المقاومة، لكنها تحولت في كثير من الأحيان إلى عبء ثقيل على شعبنا، وكانت سبباً مباشراً أو غير مباشر في الكوارث التي حلت به، كما حدث في عفرين، وسري كانية وگري سپي، وأخيراً في حلب.
مقالات ذات صلة
اراء13/05/2026
ارحموا الثقافة
اراء13/05/2026
ورقة بحثية في السلاح والأمن والسيادة
فالشعارات التي لا تراعي موازين القوى، ولا تأخذ بالحسبان تعقيدات الواقع السياسي والعسكري في سوريا والمنطقة، لا تقود إلى التحرر، بل إلى مزيد من الخسائر والتهجير والانكسار.
كما أن القوة لا يمكن اختزالها بالسلاح وحده. فالسلاح، عندما يُستخدم بمعزل عن فهم دقيق للخرائط العسكرية والدبلوماسية، الإقليمية والدولية، قد يتحول من وسيلة حماية إلى عامل تدمير ذاتي. وقد علمتنا التجارب المريرة أن عسكرة القرار السياسي، دون غطاء سياسي ودبلوماسي عقلاني وبراغماتي، أدت في كثير من الأحيان إلى نتائج كارثية، دفع ثمنها المدنيون العزل، لا من اتخذوا القرار.
إن السلاح الأقوى الذي يمكن أن نشهره اليوم ليس البندقية، بل وحدتنا الكوردية الحقيقية. وحدة تنطلق من المصالح العليا لشعبنا، لا من الانتماءات الحزبية الضيقة، ولا من الارتباطات الخارجية، مهما كان شكلها أو مبرراتها. فالوحدة القائمة على المصالح المشتركة، والرؤية الواقعية، واحترام التعدد داخل البيت الكوردي، هي وحدها القادرة على تحصين شعبنا في وجه العواصف القادمة.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية فتح القنوات السياسية والدبلوماسية مع باقي المكونات السورية التي تؤمن بالديمقراطية، والتعددية، وحقوق الإنسان. فالقضية الكوردية في سوريا لا يمكن أن تُحل في عزلة عن الحل السوري الشامل، ولا عبر منطق الغلبة، بل من خلال شراكات وطنية حقيقية، تعترف بالحقوق، وتؤسس لدولة عادلة تمنع تكرار المآسي التي عاشتها كل المكونات، وفي مقدمتها الكورد.
كذلك، فإن الحفاظ على العلاقات الكوردستانية وتطويرها يبقى أمراً ضرورياً ومهماً، شرط أن يكون ذلك بعيداً عن منطق الوصاية والتبعية، وعلى أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، لا على قاعدة استخدام الكورد في هذا الجزء أو ذاك كورقة في صراعات إقليمية لا تخدم قضيتهم في نهاية المطاف.
وأخيراً، لا بد من إعادة تعريف مفهوم القوة ذاته. فليس القوي من يستعجل في استخدام السلاح، أو يعشق أزيز الرصاص، أو يرفع شعار "المقاومة" في كل ظرف، ويحتفي بما يسميه "نصراً" على أنقاض مدننا، وبين جراح شعبنا الذي عانى القتل والتهجير مراراً وتكراراً. بل القوي حقاً هو من يتمكن من حماية شعبه من القتل والدمار والتهجير، ويحفظ كرامته، ويصون وجوده على أرضه.
رغم كل هذا الظلام، تبقى سوريا مقبلة على التغيير، مهما بدت الظروف اليوم معقدة وقاسية. ومن هنا ينبع التحدي الحقيقي أمامنا نحن الكورد: ليس فقط أن ننتظر هذا التغيير، بل أن نعرف كيف نكون جزءاً فاعلاً في رسم ملامحه، بما يتوافق مع آمال شعبنا ومصالحه المشروعة، وبما يحميه من تكرار المآسي التي عاشها.
ختاماً، يظل شعبنا صامداً، لا تُمحى حضارته ولا تُفنيه أية قوة، فهو الذي حافظ على وجوده وهويته عبر القرون، رغم محاولات الطمس والمحو. ومع ثباته وعزيمته الراسخة، تقع على عاتق القوى السياسية الكوردية مسؤولية جسيمة: أن تحميه وتقوده إلى بر الأمان، بأقل الخسائر وأعظم درجات الكرامة، ليظل وجوده على الأرض شعلة للأجيال القادمة ورافداً حيّاً لتاريخه العريق، وشاهداً على متانة وجوده، ويفتح له أفق حياة ومستقبل مشرق يليق بكرامته.
