يُفترضُ أن العلاقة بين العاصمتين علاقة لا ينظمها فقط دستور العراق الحالي، بل اشتراك واضعي مواد الدستور، فقد جمعت بين اكثرهم سنوات من العمل المشترك، وتفاهمات نضجّت فكراً للحكم ناجحاً.
ليست الخلافات دوماً سيئة، فهي اشبه بأعراض تشير لمرض بغية تشخيصه وعلاجه، والمرض الذي هو ابتلاء، يحتاج فهماً وصبراً وقناعة بالتداوي، ومثل هذا الامر الذي يصدق على الجسم يصدق ايضاً على جسم السياسية، ففي جانب منه تكون السياسية من تخليق الاداء الانساني الفكري، والعملي أيضاً، وهي أوضح وسيلة لكشف نوع وعمق التوجهات.
في التأطير الصحفي يتم اختصار الجهد السياسي في ملفات الخلاف او العالق من المسائل بين توجهين، الاقليم وبغداد على انه خلاف بغداد - اربيل، وللتاريخ، فإن بغداد التي هي فعلاً العمق الواقعي لكوردستان باعتبارها عاصمة الدولة الفيدرالية، كانت قبل 2003 عاصمة انتاج خلافات اقسى، والامور لم تتأطر بصيغة اليوم، لا مدحاً لليوم ولا ذماً للأمس، فتاريخ صراع بغداد مع الكورد والبارزاني الأب، ومع الجيل الثاني من رموز امتنا، يشترك مع الحاضر بنقطة ومع الماضي بنقطة، فأما مصدر النقطتين فهو العقل الحاكم الذي كان سابقاً يبحث عن احداث تبعية عامة له، واما العصر الحالي فبسبب اشاعة القرار السياسي قبل دراسة قواعد تنظيم العلاقات بين قوى معادلة الحكم القائمة على الفيدرالية.
اما النقطتان فهمها في جوهرهما ومطلبهما وان صدرا من نظامين لكل صيغة حكمه الا انهما لا يكادا يختلفان الا من حيث مصدريتهما، وهي مصدرية فهم مغلوط للسلطة وفي هذا شرح سيكون محايداً وموجزاً، كان النظام السابق والذي على اساس افعاله وبموجبها تمت ازالته، كان نظاماً عقائدياً في الامن والسياسية والميل العسكري، نظام له متبنياته ومنطلقاته التي هي واحدة من امثلة كثيرة لانظمة الحكم في منطقتنا وغيرها، وهو نظام يهجّن النظريات في سبيل ترسيخ شرعيته، وحماية قراراته حتى التي يُحكم عليها بأنها قرارات مجرمة.
في ضوء تلك الاحداث وعلى وفق تبدلات السياسات الدولية، تم الخلاص الى قرار وضع حد لسريان مشروع انظمة بذاتها لم تعد مقبولة الاداء والمضمون عند الاسرة الدولية، بخاصة بعد ان فقدت تلك الانظمة، كل او اغلب، القبول الداخلي، فكان العراق هو افتتاحية تنفيذ ذلك القرار، وجرى ما جرى من أمور ضمن مسلسل متمم لقرارات تقييدية عقابية.
تمكنت اربيل التي هي مختصر نضال وجهد الحركة التحررية الكوردستانية وثقلها الحزب الديمقراطي الكوردستاني من تحويل حصيلة عملها السياسي من احداث تقدم كبير وتحد اكبر، فقد استثمرت كل الاوضاع التي صنعتها هي وصنعها غيرها سلباً وايجاباً، لوضع كوردستان على التنظيم التشريعي والقانوني والاداري، فكان ان تأسس مجلس نيابي بعد انتخابات مهمة الاثر والتوقيت، وتشكلت حكومة ائتلافية تستحق ويستحق مجلس نوابنا الاول كثيراً من الدراسة والشكر على مجهودهما في ادارة اكثر المساحات السياسية والاجتماعية نكبة وتضرراً، ولا يهمل ولا يصح ابداً عدم توجيه الشكر لأمتنا وحراكها السياسي بكل تنوعاته على الوعي المبكر بمتطلبات تلك المرحلة التي تم فيها اختبار جدية تحول الاداء من المعارضة الى الحكم.
مقالات ذات صلة
اراء13/05/2026
ارحموا الثقافة
اراء13/05/2026
ورقة بحثية في السلاح والأمن والسيادة
قد يبدو غريباً ومفيداً ان تكون كوردستان سياسياً وادارياً سباقة الى التجربة قبل باقي اجزاء العراق، اي ان الجزء سبق الكل، فالتجربة الكوردستانية من 1991- الى 2003، ومع عدم اغفال العين لا عن القتال الداخلي ولا عن الضغوط علينا وهي ضغوط خانقة، الا انها رسخت خبرات في الادائين السياسي والاداري، والتفاهم المجتمعي، لم يرد كثيرون الاخذ بها لتجاوز محنة ما بعد 2003.
قبل استكمال مراد المقال، فلا بد من الاشارة الى اهمية مجموعة الحوارات التي حدثت قبل ايام، واقصد زيارة رئيس اقليم كوردستان لبغداد، زيارة رئيس الحكومة في كوردستان لبغداد وزيارة سياسية قمت بها مع وفد من حزبنا، وهي زيارات تفاهمية وتصحيحية وترميمية لصيغ العمل الذي نهدف منه مصالح للعراق وشعب كوردستان.
من اخر مقطع من اعلاه اعيد هذا السطر (مصالح للعراق وشعب كوردستان) وفي الحقيقة فإن هذه المصالح تعرضت لضرر كبير لا نريده ان يبقى او يسير على نفس الدرب الذي تضرر به قبل 2003.
نحن لم ولن ندعي التمام لتجربتنا من حيث المنجز، مثلما أن تجارب الآخرين قد تكون ليست بدرجات مقبولة، وهنا لا يصح اهمال عوامل اعاقتنا من الأداء الامثل مثلما اعاقت غيرنا، لكننا لم نعمل يوماً أي دور سلبي أو تعمّدنا ذلك بالنسبة للعراق أو لنا.
بصراحة إن معدن قضيتنا وتاريخها لا يخرج عن الحاجة الحيوية لدولة مواطنة، دولة حدود تمنع غلبة معتقد أو تنظيم سياسي على مساحة المواطنة والحقوق.
الفاصل الذي يحتاج ان يوضع بين بغداد واربيل، ووفق نص وروح الدستور هو فاصل حيوي مفيد، سياسياً وتنفيذياً وقضائياً وقبل ذلك تشريعياً، بدل أن يكون فاصلاً مشحوناً بتصورات وارادات وغايات.
