في الوجدان الجمعي لشعوبنا، تُمثّل المقاومة قيمة عليا، ومفهوماً متجذراً ارتبط بالكرامة والتحرر والدفاع عن الأرض والعرض. هي صورة البطل الذي يواجه الغاصب، وهي الحكاية التي يتناقلها الأبناء عن جدٍّ قاوم، أو مدينة صمدت، أو دماء سالت لتصون هوية وأرضاً وسماء.
هذه القيمة ليست وهماً ولا شعاراً عابراً، بل تجلٍ تاريخي لمعاناة متراكمة صاغتها قوى الاحتلال والهيمنة والاستبداد، حتى أصبحت جزءاً من البنية العميقة لوعي الشعوب بذاتها، وعنصراً مؤسساً لهويتها الجماعية وحقها في تقرير مصيرها والعيش بكرامة.
لكن ما لا يُقال كثيراً، وما يجب أن يُقال اليوم بصراحة وجرأة، هو أن هذه القيمة نفسها، حين يُساء استخدامها أو تُوظَّف خارج إطارها الإنساني والسياسي السليم، يمكن أن تتحول من مشروع للتحرر إلى مدخل للخراب، ومن مظلة لحماية الشعوب إلى أداة تُشرّع تدميرهم. فالعدو الخارجي لا يحتاج إلى ذرائع كي يبطش ويسيطر، لكن الكارثة تبدأ حين تأتي تلك الذرائع من الداخل نفسه، حين تُمنح له الحجج على طبق من ذهب من قوى تدّعي الدفاع عن الوطن، وهي في الحقيقة تفتح أبوابه للخراب. وعندها نصبح شركاء – بقصد أو دون قصد – في تفكيك ما تبقى من نسيجنا الوطني والإنساني، ونحوّل القضية العادلة إلى مادة تُستهلك في صفقات السياسة وهدير الشعارات.
لقد تحولت بعض حركات المقاومة في تجارب كثيرة من أدوات تحرر إلى سلطات موازية، تمارس القمع باسم الثبات، وتُخضع المجتمعات باسم التحرير. وبدلاً من أن تكون المقاومة قوة لتحرير الإنسان، باتت في حالات عديدة عبئاً يُثقل كاهله، يجرّه إلى المزيد من المعاناة ويحرمه من أبسط مقومات الحياة. والمشهد في أكثر من بلد لم يعد بحاجة إلى وصف: شعارات تصدح، رايات ترفرف، خطابات تعبئة تُلقى بحماسة، لكن النتيجة النهائية لا تكون إلا دماراً متكرراً، وتهجيراً متواصلاً، وخراباً يبتلع الوطن مدناً بعد مدن وقرية تلو أخرى.
هنا يبرز جوهر المعضلة الأخلاقية والسياسية: حين يُفرغ الفعل المقاوم من مضمونه الإنساني ويتحول إلى أداة لإطالة أمد الصراع لا لحله، عندها يفقد جوهره ويتحوّل إلى غطاء يُبرّر الانهيارات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، ويصبح مجرد وسيلة لإدامة معاناة الناس. فالنضال الحقيقي لا يُقاس بعدد الدماء المسفوكة وحدها، بل بقدرته على حماية الحياة وصون الكرامة وبناء مستقبل قابل للاستمرار. وما الجدوى من تحرير أرض خالية من أهلها، أو هوية ممزقة، أو مجتمع مشرذم؟.
الأخطر أن بعض هذه الحركات لم تعد تعبّر عن إرادة الناس الذين تزعم تمثيلهم، بل صارت امتداداً لحسابات قوى خارجية، تستخدم الأرض كساحة والسكان كبيادق في لعبة شطرنج كبرى. وعندها، لا نكون أمام مشروع تحرر، بل أمام فقدانٍ ممنهج لما تبقى من الوطن. فالوطن لا يُبنى بالارتهان ولا يُصان حين يصبح رهينة مصالح الآخرين، حتى وإن رُفعت رايات النصر المؤقتة هنا وهناك.
إن التحرر الحقيقي لا يتحقق فوق جثث الأبرياء، ولا عبر شعارات جوفاء تمزق المجتمع من الداخل، ولا حين يُختزل الوطن في صورة تُعلّق أو علم يُرفرف على أنقاض. فالوطن ليس رمزاً تُرفع رايته عبثاً، بل يجب أن يكون بيتاً حيّاً، يتسع للجميع، يحمي حقوقهم ويصون كرامتهم، ويظل ملاذاً لكل من يعيش على أرضه. ومن دون هذا البيت، تفقد الرموز معناها وتغدو مجرد قشور تغطي الخراب. فالإنسان يجب أن يكون محور كل فعل مقاوم، وحقوقه وكرامته غايته القصوى، إذ من دونه تفقد المقاومة معناها وتتحول من مشروع للتحرر إلى مجرد مقامرة بمصائر الشعوب، لا تُبقي من القضية إلا شعارات فارغة.
لقد آن الأوان لأن نعيد النظر، لا في حقنا بالمقاومة فهو حق ثابت لا يسقط، بل في الكيفية التي تُمارس بها، وفي الأثمان التي تُدفع باسمها، وفي المصير الذي ينتظر الأجيال المقبلة إذا لم نتوقف عن تبرير الخراب بعبارات مجردة من الواقع. فليس كل من رفع شعاراً مقاوماً خدم قضيته، وليس كل من صمت خانها. أحياناً يكون الصمت موقفاً، وأحياناً تكون العقلانية في لحظة مفصلية أكثر بطولية من إطلاق الرصاص. والقضية، في النهاية، لا يحميها الضجيج بل يحميها العقل والرؤية البعيدة.
التحرر يبدأ حين نحرّر أنفسنا من وهم أن الغاية تبرر الوسيلة، حتى لو كانت الوسيلة حرق الوطن. يبدأ حين ندرك أن كرامة الإنسان وحقوقه، وقدسية الأرض بما عليها، وأهمية التعايش والتشارك والتعاضد الإقليمي هي جوهر أي مشروع تحرري. فالأوطان لا تتحرر بالشعارات، بل بقدرتها على احتضان الحياة، ولا تُبنى على تسويق الموت، بل على حماية الإنسان الذي ينبغي أن يكون الغاية والسبيل معاً.
